الاستشارات الدعوية » الدعوة والتجديد


12 - صفر - 1429 هـ:: 20 - فبراير - 2008

أنصح الناس وآتي ما أنهاهم عنه!


السائلة:أبو عبد الله

الإستشارة:عبد الكريم بن محمد الحسن بكار

       بسم الله الرحمن الرحيم
        السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
        الحمد لله والصلاة السلام على سيدنا محمد وآله وصحبه، وبعد ..
                إخواني الأفاضل منَّ الله عليَّ بالالتزام والرجوع إلى طريقه بعد سنوات طوال قضيتها بعيدا عنه، مقترفا خلالها ذنوبا كبيرة وأخرى صغيرة، بعد الالتزام سلكت طريق الدعوة إلى الله، واشتغلت واعظا بالمساجد، أملك -بفضل من الله- قدرة كبيرة على التأثير في السامعين، فالناس تحترمني وأبناؤهم يقتدون بي، لكن مشكلتي أني مريض النفس والخلق، اقترفت ذنوبا لو علمها الناس ما جلسوا إلي، ولكانت سببا كافيا في فقدهم الثقة من حملة الدين والدعاة إليه. يقول الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله-: "ومن أعجب النقائض في دين الله ودنيا الناس أن هناك نفرا ممن يتسَمَّوْنَ بالدعاة يحسبون أن ما يقولون لغيرهم من علم إنما هو أمر يخص المخاطبين فحسب، وقد يعني الناس أجمعين إلا إياهم ،إنهم نقلة فحسب، إنهم (أشرطة مسجلة) أو (أسطوانات معبأة) تدور بعض الوقت ليستمع الناس إليها وهي تهرف بما لا تعرف. ثم تودع أماكنها لتدار مرة أخرى إذا احتيج إليها. إن هذا الجماد الذي أنطقه الذكاء الإنساني هو صورة للجماد الذي أنطقه الاحتراف، أو للإنسان الكذوب الذي ينصح الجمهور بأمور هو أبعد ما يكون عنها، وينفرهم من أشياء هو أقرب ما يكون للوقوع فيها. والدعاة الذين يحيون على ذلك النحو المتناقض هم آفة الإيمان وسقام الحياة. وهم الثقل الذي يهوي بالمثل العليا ويمرغها في الأوحال. والغضب الإلهي لا ينصبُّ بعنف وقساوة على مرتكبي الخطايا بجهالة. إنه ينصب على أولئك الذين يقترفون الدنايا وهم يعلمون، أو الذين يقترفونها وهم ينفرون منها الآخرين.
        إن سرَّ تشبيههم تارة بأنهم حمير، وطورا بأنهم كلاب. ولمَ يوصمون بهذه الألقاب الشائنة؟ ذلك أنه تكذيب عملي للكلام الذي يُلقون، والمبدأ الذي إليه ينتمون. وإنهم بمسلكهم دليل على أن الشهوة تغلب العقل، والهوى يهزم الرشد. أي أنهم عذرٌ قائم بين يدي كل مقصر، وإياسٌ من الصلاح أمام بغاته من السامعين والمطلعين(...)  إن الرجل القذر البَدَنِ لا يُغني عنه أن يحمل بين يديه قطع الصابون. والكريه الرائحة لا يجديه أن يُرى ومعه زجاجات من العطور. ودعاة الدِّين الذين تهب من سيرتهم سمومٌ حارقة، إنما هم عارٌ على الدِّين وصدٌّ عن سبيله (...) والمراد من الدعاة المسلمين أن يتحسسوا أنفسهم، وأن يداووا ما قد يكون بها من علل، تلك العلل التي تشيع بين من يرزقون العصمة، والتي يستحيل أن تخلو منها يوما. فإن المرء يولد وفيه من الطباع ما يستدعي دوام اليقظة وطول المعالجة. ثم تعرض له في حياته عادات شتى، الرديء فيها أكثر من الطيب. ثم إن له من رعيته الخاصة من يُسأل أمام الله عنهم، ومن يتأسى الناس بسيرته فيهم، فكيف يغفل عن واجباته في هذه الأنحاء كلها؟ إن سهره على خاصة نفسه وأهله أمر لا محيص عنه كي تثمر دعوته وتحمد طريقته ..." [ مقتطف من كتاب "مع الله: دراسة في الدعوة والدعاة" ].
الحقيقة أني أحدِّثُ الناس صادقا وأسعى جاهدا لأطبق ما أقول، لكن تهب من سيرتي سموم حارقة بين الحين والآخر. مشكلتي أنني أعشق الجمال وأهواه، سألت الله تعالى أن يرزقني زوجة كما أحب وأشتهي حُسنا وخلقا وتدينا، لأغض بها بصري وأحفظ بها فرجي، استخرت الله في كل اختيار وسألته سبحانه ألا يكلني إلى نفسي طرفة عين، لأني كنت مدركا أن لي نفسا خلقت على عجل، ترفض الأناة وتأبى التثبت. لكن جرت رياح القدر بغير ما أشتهي، وشاء الله الحكيم سبحانه أن يبتليني فيما أهوى، فكان لذلك أثر كبير على نفسي، فعشت معركة مع أعصابي، وساء بالتالي خلقي مع زوجتي، وأصبحت أعيش العقدة أو أعيش الانحراف.
                    المشكلة أني أنصح الشباب وأزجرهم عن ربط علاقات محرمة، وأجدني أحيانا آتي ما كنت أنهاهم عنه، مرات عديدة أقوى فيها على قهر نفسي، ومرات أخرى أجدني ضعيفا، مسلوب الإرادة ، فأنساق خلف نفسي الأمارة بالسوء لتجرني حيث شاءت. أخوف ما أخاف منه أن يراني الناس وخاصة منهم الشباب مقترفا ما كنت أنهاهم عنه. وددت لو أني ما كنت واعظا ولا مرشدا. أفكر الآن في هجر حقل الدعوة زمنا كافيا أتفرغ فيه لإصلاح نفسي وتزكيتها والاشتغال بالتفقه في الدين وبخاصة أني مشتغل بتحضير رسالة الدكتوراه.
                    وقد قرأت في موقع استشاراتكم الدعوية: "أن من الأخطاء الشائعة في عالم الدعوة إلى الله قول البعض - ممن يستشعرون التقصير أو يرتكبون بعض الذنوب الصغائر أو الكبائر- قولهم: إنني غير صالح لمواصلة الطريق، عليّ أن أتوقف -لفترة- حتى أصلح نفسي!! وهذه هي بداية النهاية في حياة الدعاة، عندما تُسول لهم نفوسهم أن انقطاعهم عن طريق الدعوة سيصلح حالهم". لكن وجدت بالمقابل من ينصح المشتغلين بالدعوة بالآتي: " مقولة شهيرة للشيخ الزاهد ابن عطاء الله السكندري رحمه الله، والتي يقول فيها: "ادفن وجودك في أرض الخمول، فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه". يلفت الشيخ رحمه الله اهتمام كل من بذل نفسه وحياته للقيام بأعباء الدعوة إلى قضية في بالغ الأهمية، وهي ضرورة تزكية النفس وترويضها قبل الانخراط في مجال العمل الإصلاحي، فقوله "ادفن وجودك في أرض الخمول" هو تشبيه لطيف للإنسان بالبذرة التي تدفن في الأرض للنبات، والخمول هنا بمعنى الابتعاد عن الناس واعتزال مواطن الشهرة. وكأن الشيخ يريد أن يقول: إذا أردت أن تخوض غمار الإصلاح، وأن تخرج إلى الناس داعيا إلى الله وآمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر، فعليك أولا أن تهذب نفسك وتروضها استعدادا لهذه المهمة الصعبة، وأن تعمل على تربيتها وتزكيتها بعيدا عن الناس، ولا يتم ذلك إلا بمجاهدة الهوى ومغالبة الشهوات، وبقيام الليل والتضرع إلى الله في غفلة عن عيون الناس. حتى إذا زهدت النفس في الدنيا، واستوى نقص الشهوات عندها مع الحرمان، ورغبت عن الزائل من اللذات في سبيل توقها إلى الخالد منها. أصبحت أهلا بذلك للخروج إلى الناس وخوض غمار الحياة بكل ما فيها من أخطار الفتنة، ونوازع النفس، ووساوس الشيطان. ويمضي الشيخ في هذا التشبيه البليغ ليبين لنا أن "ما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه"، فالبذرة التي لا تدفن جيدا في الأرض وتغيب في باطنها عن كل ما قد يؤذيها، قد تنبت نباتا ضعيفا هزيلا، ولكن نباتها هذا لن يتم نتاجه، ولن يؤتي ثماره. وهذا هو حال النفس البشرية، فلا بد لها أولا من التربية في عالم الخفاء وسواد الليل، تتهجد وتبكي وتتضرع إلى الله بإخلاص وتجرد، حتى إذا وجدت أنها قد زهدت في الدنيا ولم يعد لشهواتها مكان في اهتماماتها، خرجت مطمئنة إلى عالم النور، كما تخرج النبتة الصغيرة من باطن الأرض، ثم لا تلبث أن تنشر أوراقها وأغصانها في كل اتجاه، فإذا ما لجأ إليها الناس ليستظلوا من حر الشمس، تفتحت فيها أكمام الزهور، وأدخلت البهجة على النفوس بجميل ألوانها وعبير عطرها، حتى إذا اجتمعوا إليها من كل حدب وصوب آتت أُكلها ثمارا يانعة، وأغدقت عليهم من عطائها الطيب" [ مأخوذ من إحدى المواقع ].
                    النصيحة نفسها يدعو إليها الشيخ محمد الغزالي، يقول -رحمه الله- شارحا حكمة ابن عطاء الله السكندري: " هذه الكلمة أفضل توجيه لمن يريدون الظهور على عَجل، ومن يتوهمون أن نصيبا قليلا من المعرفة والخبرة كافٍ في الترشيح لقيادة الجماهير، والصدارة بين الناس، وهؤلاء في الحياة لا حصر لهم. إن منصب الإمامة في آفاق الدنيا أو في آفاق الدِّين يتطلب صبر السنين، وتغضين الجبين. فليضع المرء نفسه أولا في عزلة وفي صمت وفي تؤدة، كالشجرة التي يختفي أصلها في ظلمة التراب أمدا تتكون فيه التكون الصحيح، ثم تبدأ تشق طريقها إلى الهواء والضوء. ما ضرَّ الشباب أن يتواروا قليلا أو كثيرا فلا يطلعوا على الناس إلا بعد أن تكتمل ملكاتهم؟ إنك ترى الواحد يكتب عدة مقالات فيحسب نفسه من قادة الفكر، أو يحسن بضعة أعمال فيزعم نفسه من ساسة العالم، ولو آثر "الخمول" فترة ينضج فيها لكان خيرا له. ثم من الإيمان -إذا استويت- أن تقوم بما عليك لله لا للظهور، فإن الذي يطلب وجوه الناس يسقط من عين الله. فاحذر على نفسك أمرين: أن تنزع إلى البروز قبل استكمال المؤهلات المطلوبة، وأن تستكمل هذه المؤهلات لتلفت بها أنظار الناس إليك " [ مقتطف من كتاب: "الجانب العاطفي من الإسلام" ]. إخوتي الأفاضل أنا حائر متردد، أحس أني أقدم رجلا وأؤخر أخرى، أرشدوني إلى ما فيه صلاح نفسي وصلاح ديني، أسأل الله تعالى أن يحفظكم وأن يجعلكم منارا يهتدي به الحائرون
 


الإجابة

إلى الأخ الداعية أبي عبدالله وفقه الله لعمل الصالحات..
وعليك السلام ورحمة الله وبركاته وبعد:
فقد قرأت رسالتك المطولة، والتي تعبر عن حيرتك فيما ينبغي عليك أن تعمله، والجواب عندي هو الآتي:
ـ لا ينبغي أن تخاف من إطلاع الناس عليك وأنت تقع في الموبقات، ولكن خف من اطلاع الله عليك، وإنّ من بؤس العبد وشقائه أن يكون الله ـ عزّ وجل ـ أهون الناظرين إليه، وعليك أيضاً أن تستحي من نفسك وتتألم من وقوفك أمام ذاتك ضعيفاً متناقضاً متخاذلاً.
2ـ الحل يا أخي ليس في ترك النشاط الدعوي، ولكن في التوبة الصادقة النصوح، وإعادة بناء العلاقة المطلوبة بالخالق جلّ وعلا، من خلال مجاهدة النفس في ذاته والإكثار من التعبد والتنفل.
3ـ إذا كنت تشعر إن لديك نقصاً في المعرفة الشرعية والفقه في الدين، فيمكن أن تخفف نشاطك الدعوي لتصرف المزيد من الوقت للتعلم.
4ـ لا تترك بلدك، فهذا قد يشجعك على التورط في المزيد من المخالفات.
5ـ اطو صفحة الماضي نهائياً، والتوبة تجبّ ما قبلها، وانظر إلى المستقبل بعزيمة وتفاؤل.
والله يتولانا وإياك.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 



زيارات الإستشارة:4301 | استشارات المستشار: 125


الإستشارات الدعوية

هل أرفع عليه خلع وهل الخلع يحرمني من كل حقوقي؟
الاستشارات الدعوية

هل أرفع عليه خلع وهل الخلع يحرمني من كل حقوقي؟

د.محمد بن عبد العزيز بن عبد الله المسند 18 - شعبان - 1432 هـ| 20 - يوليو - 2011
الاستشارات الدعوية

أعاهد ربي على التوبة ثم أخلف بعهدي!

يوسف بن عبدالله بن عبد العزيز الحميدان7642

هموم دعوية

هنيئا لك "الهم" الذي تحملينه!!

الشيخ.خالد بن سليمان بن عبد الله الغرير6404




استشارات محببة

زوجي مصر على ألاّ يستقلّ عن أهله!
الاستشارات الاجتماعية

زوجي مصر على ألاّ يستقلّ عن أهله!

السلام عليكم ورحمة الله تزوّجت شخصا كان مطلّقا قبلي وزوجته...

فدوى بنت عبد الله بن عمير الخريجي1980
المزيد

هل أطلّقها أو أصبر إكراما لأهلها؟
الاستشارات الاجتماعية

هل أطلّقها أو أصبر إكراما لأهلها؟

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
أعاني من مشكلة أقف عندها...

د.خالد بن عبد الله بن شديد1980
المزيد

مواقفها جارحة ولا أستطيع نسيانها  !
الاستشارات النفسية

مواقفها جارحة ولا أستطيع نسيانها !

السلام عليكم عشت بعيدة عن أمّي لأنّ أمّي مطلّقة وعشت طفولة تخلو...

د.أحمد فخرى هانى1980
المزيد

كلمته بجوّالي لأنّي كنت فاقدة العطف والحنان في البيت!
الاستشارات الاجتماعية

كلمته بجوّالي لأنّي كنت فاقدة العطف والحنان في البيت!

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
أنا طالبة جامعيّة في السنة...

د.خالد بن عبد الله بن شديد1980
المزيد

خائفة أن يكون طمّاعا و بخيلا يستغلّني بعد الزواج!
الاستشارات الاجتماعية

خائفة أن يكون طمّاعا و بخيلا يستغلّني بعد الزواج!

السلام عليكم أنا فتاة عمري 24 سنة تخرّجت هذا الصيف من كلّية...

أ.سلمى فرج اسماعيل1980
المزيد

أشعر بمشاعر غريبة تجاهه !
الاستشارات الاجتماعية

أشعر بمشاعر غريبة تجاهه !

السلام عليكم و رحمة الله وبركاته
أودّ أن أشكركم جزيل الشكر...

أماني محمد أحمد داود1980
المزيد

مديرتي حينما ترانا مع بعضنا لا يعجبها هذا الأمر!
الاستشارات الاجتماعية

مديرتي حينما ترانا مع بعضنا لا يعجبها هذا الأمر!

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أعمل موظّفة في مكان وبيني وبين...

نورة العواد1980
المزيد

انا أخاف وأفزع من أبسط الأشياء !
الاستشارات النفسية

انا أخاف وأفزع من أبسط الأشياء !

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أخاف وأفزع من أبسط الأشياء ،...

د.أحمد فخرى هانى1980
المزيد

ما لا يعرفه الناس أنّني أكره نفسي  وعلى عكس ما يرونني !!
الاستشارات النفسية

ما لا يعرفه الناس أنّني أكره نفسي وعلى عكس ما يرونني !!

السلام عليكم ورحمة الله
شكرا و جزاكم الله خيرا و جعل عملكم...

ميرفت فرج رحيم1980
المزيد

أهلها يضايقونها و يرون قراءتها للكتب نوعا من الإسراف !!
الاستشارات الاجتماعية

أهلها يضايقونها و يرون قراءتها للكتب نوعا من الإسراف !!

السلام عليكم ورحمة الله أعمل من أجل مبادرة تهتمّ بدعم القراءة...

الشيخ.خالد بن سليمان بن عبد الله الغرير1980
المزيد