عندما قابلتْ زينب الغزالي ضياء الحق!

وجوه وأعلام
11 - شعبان - 1426 هـ| 14 - سبتمبر - 2005


محنة تحولت إلى منحة، عندما أراد الله لزينب الغزالي - رحمها الله- أن تغير مسيرة حياتها، وتتوجه إلى الله بكليّتها؛ وتدعو إليه على بصيرة لمدة ثلاثة وخمسين عاماً، فقد تعرضت لحادث حريق في منزلها، كادت تفقد حياتها بسببه، ونذرت إن عافها الله من الحروق أن تعمل لدينه، وتسعى لما فيه خير المرأة المسلمة، وتترك الاتحاد النسائي، وتتوجه للدعوة الإسلامية، وأكرمها الله بالشفاء، وبدأت مرحلة جديدة في مسيرتها الدعوية. \r\n       إن من يتعمق بدراسة مراحل حياة الداعية زينب الغزالي، يدرك أنه أمام امرأة عظيمة، عمَر الإيمانُ قلبها، فقرّرت أن تسير في طريق الحق، دون الالتفات لزينة الحياة الدنيا، وبهرجها الخادع، رائدها الإخلاص، وأمنيتها أن تفوز برضاء الله تعالى، وتطمع أن تحظى في الآخرة بجنّته.\r\n      كما أنه لا يمكن لهذه الشخصية العظيمة أن تتشكل لولا عوامل تضافرت مجتمعة، فجعلتها نسيج وحدها؛ فهي بنت أسرة كريمة، اجتمع لها أصل عريق يمتد إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، من جهة أبيها، وإلى الحسن بن علي - رضي الله عنهما- من جهة أمها، وكان أبوها من علماء الأزهر، وأولاها من العناية وحسن التربية والتشجيع ما أسهم في تكوّن شخصيتها، فقد كانت تتمتع بشخصية متميزة، تتطلع دائماً لمعالي الأمور. \r\nبعد قراءتي لكتابها أيام من حياتي، كانت تتملكني الحيرة، ويأخذني العجب العجاب، وعشت صراعاً عنيفاً مع نفسي أقارن بين نظرتي لقصص أغرب من الخيال، عن سجون رئيس كانت جماهير الأمة العربية تتوهم أنه سيكون رائد الوحدة العربية، التي ستكون نواة الوحدة الإسلامية، وبين نبرة الصدق التي ألمسها في كل كلمة من كلمات الداعية الممتحنة زينب الغزالي في كتابها. كانت أمنيتي أن أجتمع بمن يعرفها عن قرب لأستوثق من كثير مما جاء في الكتاب، ويشاء الله أن ألتقيها هي بذاتها، خلال عملي في مكتب رابطة العالم الإسلامي في باكستان في الثمانينيات من القرن الماضي، وكنت ما أزال أحسّ أنني بحاجة إلى التعرف أكثر على هذه المرأة العظيمة، التي صبرت على محنة السجن، وذاقت ويلاتها، وحاول السجانون المساس بشرفها.\r\n كانت زينب الغزالي قد جاءت للاطلاع على أحوال المهاجرين الأفغان، ومساعدتهم بما تستطيع، و طلب مني الشيخ عبد الله عزام - رحمه الله- مرافقته للقائها. كان لقاء مباركاً، ضم ثلاثة من قادة الجهاد الأفغاني ضد الاتحاد السوفييتي آنذاك، وتكلمت زينب الغزالي بموضوعات مهمة ومختصرة، وأوصتهم بالاتحاد، ووحدة الصف، ونقلت إليهم أخبار تعاطف جماهير المسلمين معهم، ومع قضيتهم العادلة، ثم سلمت كل واحد منهم ظرفاً فيه تبرعات من الأخوات المسلمات في الدول العربية، كانت عظيمة في هيبتها، عظيمة في طرحها، ثم نظرت إلى أحد القادة الكبار، وقالت له: أبشر فقد رأيتك فيما يرى النائم أنك تركب حصاناً،وأنت على هيئة صلاح الدين الأيوبي! فشكرها ودعا لها بخير.\r\n وأحمد الله أن هذا الرجل لم يغيّر ولم يبدل حتى كتابة هذه الحروف، كما أخبر عنه من نثق بدينهم، أحسبه كذلك ولا أزكي على الله أحداً، ومع ذلك فقد لمحت تأثراً على وجه الشيخ عبد الله عزام رحمه الله، لكنه لم يتكلم فيما يريد، وعرفت سر تأثره بعد أن خرجنا، فقد كان عظيم الأدب مع الكبار بل وحتى مع الصغار، قال لي: ليتها لم تحدّثه بالرؤيا في هذا المجلس، فأدركت أن الشيخ يرمي إلى وجود بعض الحساسيات بين الجالسين، وإلى خشيته على ذاك الرجل من أن يداخل نفسه شيء من العجب لا سمح الله.\r\n وفي تلك الزيارة لباكستان، قابلتْ زينب الغزالي الرئيس الباكستاني -آنذاك- ضياء الحق، وكان مقرراً للمقابلة حوالي عشرين دقيقة، ولدى الرئيس مواعيد مسبقة وبرنامج محدد، ولعله لأول مرة ينسف كل المواعيد، ويؤجلها، ليستمع حديثاً عجباً من زينب الغزالي عن معاناة المسلمين في بعض الدول العربية، وما تتعرض له المرأة المسلمة من السجن والتعذيب، مما يندى له الجبين، وضياء الحق يصغي إليها ويبكي، ويستمر اللقاء ساعتين ونصف.\r\n   تذكرت هذه الحادثة لما أصرّت أمريكا على التخلص من ضياء الحق، مع التضحية بسفيرها، لأن المرحلة تطلبت من هو أسوأ منه؛ فطواغيت الأرض الكبار، لا يرحبون بمن يخدمهم على مضض، وكأنه يأكل الميتة، ولم يعد للمتأولين سوق لديهم، ولا يقبلون مَن يأكل الخنزير مضطراً، بل يريدون من يأكله متلذذاً، ومعبراً بكل حواسه عن ذلك السرور.\r\n       مما يؤسف له أنني علمت أن ما نشر في كتاب (أيام من حياتي) كان جزءًا من الحقيقة، ولم يكن الحقيقيةَ كاملةً؛ لأن الحقيقة كانت أسوأ وأعنف، وأدمى لقلب المؤمن، مما ذكر في الكتاب.\r\nكُرِّمت زينب الغزالي من الاتحاد الإسلامي الأوروبي، وكُرِّمت من نقابة أطباء الإسكندرية، وهي مستحقة لهذا التكريم لأنها رائدة في مجال الدعوة، ورعاية المرأة المسلمة، وصاحبة تاريخ ناصع في الدفاع عن الإسلام.\r\nكم نحن مقصرون بحق دعاتنا، وعظمائنا، أليس من المحزن أن تعيش هذا العمر الطويل الحافل، في الدعوة، وخدمة الإسلام ثم لا تأخذ حقها من التكريم، نعم هي تطمع بما عند الله من الثواب، لكن هذا لا يعفينا من أداء واجبنا نحوها.\r\nوأتمنى أن نرى قريباً دوراً لتحفيظ القرآن الكريم تحمل اسمها، وكذلك مؤسسات ثقافية وتربوية، ومراكز دعوية نسائية ترعى المرأة المسلمة وتدافع عن حقوقها.\r\n كثيراً من الدروس والعبر، نتعلمها من مسيرة حافلة بالعطاء لداعية عاشت 88 عاما، أمضت أكثرها في الدعوة إلى الله سبحانه، وصبرت على المحن التي تعرضت لها، ولعل من أشدها بعد حادثة السجن، أن يجبروا زوجها على طلاقها، ويحضروا لها وثيقة الطلاق إلى السجن، وهذه محنة لا تدرك ثقلها إلا المرأة؛ فهي أقسى من كل أنواع التعذيب، وربما كان الموت أرحم منها بالنسبة لها!!\r\nرحم الله الداعية المجاهدة زينب الغزالي، وغفر لها، وأسكنها الفردوس الأعلى، وأكرم الأمة بخير منها، إنه ولي ذلك والقادر عليه سبحانه، والحمد لله رب العالمين.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
عندما قابلتْ زينب الغزالي ضياء الحق!
-- هيفاء سعد - إيرلندا

24 - شعبان - 1426 هـ| 27 - سبتمبر - 2005




يارب ارحمها ووفقنا للطريق المستقيم ، جزاكم الله خيراً

عندما قابلتْ زينب الغزالي ضياء الحق!
-- أبو الطيب - السعودية

08 - شوال - 1427 هـ| 30 - اكتوبر - 2006




منذ خمسة عشرة سنة تقريباً وأنا أقراء حول الشيخة زينب يرحمها الله ووالله كلما قراءت لها أو ما كتب حولها دموعي تنهمركسيل حتى أولادي يترحمنون علي ,,, هذا وبس

عندما قابلتْ زينب الغزالي ضياء الحق!
-- رجاء - السعودية

12 - شعبان - 1429 هـ| 14 - أغسطس - 2008




رحمها الله واعز الاسلام بنوع متميز من النساء العظيمات

عندما قابلتْ زينب الغزالي ضياء الحق!
-- بنت الدعوة - مصر

30 - صفر - 1431 هـ| 14 - فبراير - 2010




اسال اله العظيم ان يديم وجود من مثل هذه المراة المناضلة فى مجتمعنا ويرحمها واطلب منكن حبيباتى ان تنشروا قصتهاللاقتداء بها

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *: لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...