تشيلي.. النساء يتنفسن الصعداء بعد قانون مكافحة التحرش الجنسي

أحوال الناس
21 - جمادى الآخرة - 1426 هـ| 27 - يوليو - 2005


سانتياغو، تشيلي: تتذكر "جيوفانا ريفيري" كيف أنها كانت تكره الذهاب إلى عملها في وزارة الزراعة حيث كان رئيسها يتحرش بها جنسيا كل يوم. وتقول إنها شعرت بكونها أسيرة الحاجة لكسب عيشها وبالعجز عن مقاومة إساءاته وتحرشاته المباشرة.

وتقول ريفيري إنه كان يلمس شعرها ويجبرها على حضور اجتماعات غير ضرورية ويكتب إليها رسائل جنسية فاضحة. ورغم أنه لم يلمس جسدها قط، إلا أنها تقول إنها كانت تشعر بالترهيب النفسي.

تقول: " لقد كنت عرضة لقدر لا يُصدق من التوتر. وكنت أقفز خوفا كلما رنّ جرس الهاتف لأنه خلق لديّ إحساسا بالاضطهاد. كان يأتي إلى مكتبي، وكنت أختفي في دورة المياه، وكان ينتظرني طويلا."

وقصة ريفيري شائعة إلى حد بعيد في تشيلي حيث تعرضت واحدة من كل خمسة نساء إلى التحرش الجنسي في العمل، وفقا لمسح أُجري عام 1993.

بيد أن ريفيري أبعد ما تكون عن إنسانة عادية. ففي حين عانت معظم النساء بصمت، درست ريفيري الاختيارات المتوفرة لها: البقاء صامتة أو إثارة بعض الجلبة.

قبل ثماني سنوات، رفعت ريفيري شكوى إلى وزارة شؤون المرأة-- التي تُعرف اختصارا باسم سيرنام-- متوقعة أن الهيئة قد تقرّ عقوبة ما ضد رئيسها في العمل. وحينما لم يحدث ذلك، توقفت عن الذهاب إلى العمل ثم طُردت من وظيفتها.

ورفعت ريفيري دعوى تدفع فيها بإنهاء خدماتها ظلما، ووصلت الدعوى إلى المحكمة العليا.

وفي أبريل 2003، أعلنت المحكمة أن ريفيري كانت ضحية للتحرش الجنسي وأنه تمت إقالتها بشكل غير قانوني ومنحتها تعويضا قيمته 17,000 دولار عن الأضرار التي لحقت بها. وقام رب عملها السابق بدفع التعويض.

يُنسب الفضل إلى قضية ريفيري في حفز تشيلي إلى اتخاذ خطوات عملية إزاء قضية جعلت منها البلد المتخاذل على الصعيد الإقليمي.

وفيما أجازت بلدان أمريكا اللاتينية طائفة من القوانين لمعاقبة التحرش الجنسي-- بدءًا بالمكسيك عام 1991 وانتهاء ببورتوريكو عام 2003 -- فإن تشيلي قد أجازت في أوائل السنة الحالية قانونا يعرّف التحرش الجنسي وعقوباته. وبعد 14 عاما من النقاشات البرلمانية، أجاز الكونغرس التشيلي مشروع القانون في يناير السابق، وتم التوقيع عليه من قبل رئيس الجمهورية ريكاردو لاغوس في 8 مارس الماضي ليصبح بذلك قانونا نافذ المفعول. وقد تزامن هذا مع اليوم العالمي للمرأة.

تقول "ميريام فيردوغو" نائبة وزيرة شؤون المرأة: " إن الشهادات العامة الشجاعة لنساء مثل جيوفانا ريفيري قد أسهمت في صوغ وإقرار القوانين الحالية. لقد أخرجن هذه القضية من إطارها الخاص وسلطنّ الأضواء عليها."

ويقول العاملون في الحكومة إن هذا القانون زاد على الفور من معدلات الكشف عن حالات التحرش الجنسي.

وقد تلقت وزارة شؤون المرأة "سيرنام" في الفترة من مارس- مايو 25 شكوى ما يمثل زيادة بست مرات عن عدد الشكاوى المقدمة في الفترة ذاتها من السنة الماضية.

وتقول فيردوغو إن النتائج مشابهة للزيادة في عدد الشكاوى بعد ما تم اعتبار العنف المنزلي مخالفة قانونية قبل عشر سنوات.

تقول فيردوغو: " قبل اعتبار العنف المنزلي جنحة، كانت هناك 3,000 شكوى في السنة. أما السنة الماضية، فقد تلقينا 80,000 شكوى. وفي ما يتعلق بقضايا العنف المنزلي، كانت لدينا 13 دعوى في السنوات الأخيرة، ولذا فإننا نأمل الآن في أن يؤدي توفر نوع جديد من الحماية للضحايا في تسليط الضوء على هذه المشكلة."

سونيا مونتانو المسؤولة عن شعبة النساء في اللجنة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي التابعة للأمم المتحدة تقول إن تشيلي تخلفت عن معظم البلدان الأخرى بسبب تقاليدها المحافظة اجتماعيا العميقة الجذور.

وتقول فيردوغو: " كان من الصعوبة بمكان إقرار مشروعي القانون الخاصين بالتحرش الجنسي والعنف المنزلي في بلادنا لأن لديها تقاليد محافظة قوية. لقد كان الأمر صعبا لأننا اخترقنا مجالا كان يُنظر إليه على الدوام على أنه جزء من الحياة الخاصة."

تقول "فالنتينا مارتينيز" منسقة منظمة "لا مورادا" التي تقدم خدمات الاستشارة النفسية لضحايا العنف والتحرش الجنسي، ومقرها "سانتياغو" العاصمة: "إن معالجة تشيلي لقضايا المرأة تمثل كارثة على صعيد السياسات العامة. فما زال هناك الكثير الذي يتعيّن عمله. على سبيل المثال، يقوم شخص ما بسرقة جهاز تلفزيون فيتم عقابه بصرامة أكثر من العقاب الذي يُنزل بإنسان يهاجم ويدمر النزاهة والسلامة النفسية والجسدية لشخص آخر. فهنا، يتم إعطاء قيمة أكثر للملكية مما يعطى للأفراد."

وبموجب قانون تشيلي الجديد، يتعيّن على رب العمل اتخاذ إجراءات لحماية المعنيين بعد التقدم بشكوى وذلك عبر فصل أماكن وبرامج العمل اليومي لأطراف القضية. كما يتعيّن على أرباب العمل إجراء تحقيقات داخلية ورفع تقرير إلى وزارة العمل.

وإذا ما تم التأكد من صحة الشكوى المقدمة، فإن من قام بالتحرش الجنسي يُطرد من وظيفته دون تعويض، ويحق للضحية أن يرفع دعوى قضائية ضده. أما إذا كان المتحرش هو رئيس الضحية في العمل، فإنه يحق للضحية أن تستقيل وأن تحصل على التعويضات التي تُدفع للعاملين في حالات الاستقالة العادية، إضافة إلى 80 في المائة أخرى. كما يحق للموظف أو الموظفة اتخاذ إجراءات قانونية في المحاكم والمطالبة بتعويضات إضافية عن الأضرار النفسية والمعنوية. بيد أن العقوبات لا تتضمن أحكاما بالسجن.

تقول مارتينيز إن العقوبات المتساهلة كانت تثني النساء عن التقدم بشكاوى ضد التحرش الجنسي، ناهيك عن توجيه تهم جنائية.

لقد كان بوسع النساء قبل إقرار القانون الجديد أن يحاولن رفع دعاوى قانونية استنادا إلى قانون العمل. غير أن الأمر كان يستغرق سنوات. هذا وتُعد ريفيري أول امرأة تكسب قضية تحرش جنسي.

يقول "بيلار أويارزون" محامي ريفيري: " لم يكن هناك ما يُعتبر شكاوى رسمية في أماكن العمل. لقد كان بوسع المرء أن يتقدم بشكوى إلى سيرنام، لكن لم تكن هناك أية إجراءات رسمية على الإطلاق للاستجابة لهذه الشكاوى لأن التحرش الجنسي لم يكن محظورا قانونيا. ولهذا، فإن إنجاز هذا القانون كان نصرا عظيما. إنه يعني أنه تتوفر للنساء خيارات الآن."

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *: لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...