الطلاق واللعب بالنار لها أون لاين - موقع المرأة العربية

الطلاق واللعب بالنار

كتاب لها
04 - رجب - 1440 هـ| 11 - مارس - 2019


1

الأصل في الزواج بناء حياة سعيدة مستقرَّة مفعمة بالحب مزدانة بالتفاهم، فتصبح الأسرة التي خرجت من بذرتين اتحدتا نبتة شامخة بسوقها مورقة بأوراقها مزهرة بزهرها. وبتشابك أغصان تلك الشجرة المباركة يظهر فيء بارد جميل يتخلله بصيص من ضوء الشمس، فتغدو لوحة مبدعة. إنَّ حال تلك الشجرة بتشابك أغصانها حال تلاحم أفراد الأسرة بدءاً من الزوج والزوجة وانتهاءً بالأبناء إخوة وأخوات.

هذا هو الأصل في الزواج.

في الماضي كان المجتمع كلّه يغرِّد كعصافير الدوري فرحاً مستبشراً بخطبة فلان وفلانة وزواج فلان وفلانة، وبمثل هذا الانبساط والسرور يحدث الضيق وتظهر الهموم بطلاق فلان وفلانة من النَّاس حتى ولو لم يكن هناك معرفة بهما. الطلاق الواحد كان يربك عدداً كثيراً من الأسر، وتزداد حالة الهمّ والمشاركة الوجدانية إذا خلَّف ذلك الزواج المنهار أولاداً.

حالة طلاق واحدة كانت تهزُّ المجتمع، تجعله يتحسَّب ويحوقل؛ لأنَّ درجة إدراكه لخطورة الأمر تبدو عالية، ورغم أنَّ كثيراً من حالات الطلاق في الماضي لم تكن تحدث إلاَّ بعد محاولات مستميتة لرأب ما تصدع من بنيان الأسرة، ورغم أنَّ كثيراً من الحالات لم تكن لتحدث أيضاً إلاَّ في أصعب المواقف، فهذا رجل لا يصلي، وهذا رجل سكير لم يرتدع، وعلى قلَّة هذه الحالات كان الطلاق نادراً، أو هو في بعض الأزمنة والأحايين معدوم، أمَّا من جهة الأسباب المتعلقة بالمرأة، فما كان المجتمع يفصح عنها غالباً، ستراً لها ورغبةً في أن يأتيها رزق آخر أو زوج آخر، وكانت الكلمة الدارجة "فلانة تركت أو تركها زوجها، الله يستر علينا وعليها".

لم يكن معهوداً أن يكون عدم إنجاب المرأة سبباً في الطلاق، إذ كان الزوج يتزوَّج ثانية أو ثالثة أو رابعة ولا يترك الأولى، بل تبقى في ذمَّته معزّزة مكرَّمة.

ولم يكن معهوداً أن يكون ضعف حال الرجل وقلة ذات يده سبباً في طلب الطلاق، إذ يُعدُّ ذلك الطلب عيباً في المرأة وسوءاً في تربيتها، وهذا لم يحدث إلا نادراً.

ولم يكن معهوداً أن يكون طلب الاستقلال عن بيت العائلة "الحمولة" سبباً في الطلاق؛ لأنَّ ذلك الطلب لم يكن موجوداً، إذ كان البيت على اتساعه أو ضيقه يشمل الأسرة كلها الجد والجدَّة، الأم، الأب، الأولاد، وربما تزوَّج من الأولاد من تزوَّج وسكن معهم في نفس المنزل يحويهم جميعاً.

ولم يكن معهوداً أن يكون تذمُّر المرأة من أم الزوج أو والد الزوج سبباً في الانفصال؛ ذلك أنَّها كانت تعد نفسها منذ قدومها لهذا البيت "ابنة لهما" توليهما رعاية قصوى وتقوم راضية بخدمتهما، ويزداد اهتمامها بهما كلّما تقدَّما في السن، وعلى قدر ما تقدِّم الزوجة لوالدي زوجها من معروف تزداد منزلتها عند زوجها.

 ولم يكن إرهاق المرأة بأعمال المنزل سبباً في طلب الطلاق، وبالرغم من ندرة وجود الخادمات أو انعدام وجودهن في المنازل، ورغم قيام المرأة بكل الأعمال المنزلية بدءاً من غسل الملابس وكيِّها وكنس وترتيب المنزل إلى طبخ الطعام، وانتهاءً برعاية طلبات الزوج وتربية الأولاد، إلا أنَّ ذلك كله لم يكن سبباً يستدعي أن تصرخ المرأة طلباً للفكاك، بل كانت تعمل راضية قانعة محتسبة الأجر.

ولم يكن معهوداً أن يكون شكل المرأة أو الرجل سبباً في الطلاق؛ لأنَّ القناعة ملأت قلبيهما، فالرجل قد رضي باختيار أمّه أو أخته والمرأة رضيت بموافقة ولي أمرها، ولم يكن الشكل الهدف النهائي الذي تسقط عنده كل الخيارات الأخرى، كان الرضا بالحل الوسط هو الذي يطغى، فلا تطرُّف في هذه المسألة، وكلا الطرفين يرضيان بالمقسوم.

ولم يكن معهوداً أن يكون راتب المرأة سبباً في الطلاق؛ لأنَّه نادراً ما كان لها دخل، وإذا كان فالذي يحدث أن توظِّف المرأة ما بيدها من دخل لصالح بيتها وأسرتها، فتلك التي تغرس أو تحرث أو تخدم في بيوت جيرانها أو تخيط أو تطحن أو تعلِّم القرآن أو القراءة أو تحلب أو تبيع ما أنتجته يدها من أعمال يدوية... إلخ.. لم تكن تدّخر ما تملكه لها وحدها، ولم تكن تنفرد به؛ لأنَّها تدرك أنَّ الزواج ليس شركة مالية "هذا لي وهذا لك" "هذه أسهمي وتلك أسهمك"، بل كانت ترى الزواج مؤسسة اجتماعية هي تعني هو، وكلاهما يعنيان نحن، ولم تكن "الأنا" موجودة آنذاك.

(يتبع)

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...