ظاهرة السرقة عند الأطفال: الأسباب (1)

دعوة وتربية » نوافذ
22 - ربيع الآخر - 1439 هـ| 09 - يناير - 2018


ظاهرة السرقة عند الأطفال: الأسباب (1)

السرقة عند الأطفال داء سيء، تتكرر شكوى الآباء منه، ويؤدي في أغلب الأحيان إلى مواقف محرجة ومشاكل متعددة. فقد يلجأ الآباء إلى أسلوب الإهانة والنقد السلبي الذي يؤثر على نفسية الأطفال، وقد يدفعهم إلى التمسك بهذه العادة السيئة.

إن السرقة صفة مكتسبة، فليس هناك طفل يولد مائلاً إلى السرقة، لكن هناك عددا من العوامل هي التي ترسخ فيه هذا النوع من الخيانة، أو هذا النوع من تضييع الأمانة عن طريق السرقة، فلا بد أن ننظر في الأسباب والدوافع التي تؤدي بالأطفال إلى التلطخ بظاهرة السرقة.

السرقة كسلوك منحرف، تبدأ في سنوات الطفولة المبكرة، لكن ذروتها تكون في سن من خمس إلى ثماني سنوات، ففي السنوات الخمس الأولى من الخطأ الشديد أن تعامل الطفل بعقليتك أنت؛ لأنه في البداية لا يدرك أنها سرقة، وأيضاً من الخطر الشديد أن تدعو الطفل بلقب أو تعلق له شارة: حرامي، لص، وتناديه: يا حرامي! يا لص! فإن إخوانه سيعيرونه به، وهذا الأمر له أضرار في غاية الشدة.

ويمكن علاج السرقة عند الأطفال بخطوات عملية وتربوية، ولكن يجب معرفة سبب داء السرقة أولا، قبل المضي في وضع خطة مناسبة لمساعدة الطفل في التغلب على هذا السلوك المرضي.

 

أسباب وجود ظاهرة السرقة عند الأطفال:

 

- عدم فهم الطفل في سنه المبكرة لمفهوم الملكية الخاصة:

خلال السنوات الخمس الأولى من عمر الطفل، تسمى السرقة: سرقة بريئة، فهو يستحوذ على الأشياء التي لا تخصه بصورة تلقائية، يرى اللعبة في يد واحد آخر، أو يعجبه شيء فيريد أن يكون بحوزته، وهذا نوع من التلقائية في التصرف، هو ليس قاصداً السرقة، ولا يعرف أن هذه سرقة، ولا شيء من ذلك فهو يستحوذ على ما لا يخصه تلقائياً؛ بسبب أنه لم يحقق النضج العقلي والاجتماعي الذي وصله إلى عملية التمييز بين ملكيته الخاصة، وبين ملكية غيره ففي السنوات الخمس الأولى أصلاً لم يقف على هذا المفهوم، وهو: معرفة حدود الملكية، وأن هناك شيئاً يخصني، وشيئاً يخص غيري، وعليّ أن أحترم ملكيته بحيث لا آخذه قسراً، وإن كان لابد أن آخذه فأستأذن صاحبه.

المشكلة تكمن فيما لو بدأ بالسرقة بعد سن خمس سنوات؛ لأن هذا يعد سلوكاً مرضياً، ولا بد من مواجهته. إذا استمرت بعد خمس سنوات حتى امتدت إلى سن العاشرة: فغالباً يكون هناك اضطراب انفعالي، ولا بد أن يعالج هذا الطفل.

 

- عدم اهتمام الطفل في سنه المبكرة بنظرة المجتمع إليه:

الطفل في سن مبكرة، لا يدرك أن هذا أمر سوف يحاسب عليه. كذلك ليس عنده نضج بحيث لا يهتم بنظرة المجتمع لسلوكه، وهذا السبب حينما نفهمه نستطيع أن نعالجه بطريقة صحيحة؛ لأننا ننمي فيه أنه سيحاسب على السرقة، وأنه آثم، والأمانة فضيلتها كذا وكذا. فنبدأ بالعلاج فنغرس فيه خلق الأمانة، والترغيب فيها، والترهيب من الخيانة والسرقة، وإيقاظ الشعور بأن الإنسان محاسب على تصرفاته. كذلك نغرس فيه العناية بنظرة المجتمع إليه؛ حتى ينمو اجتماعياً بطريقة سليمة، ويضع في اعتباره أيضاً رد فعل الناس من هذا السلوك، بحيث لا يتبجح بالخروج على المعايير الصحيحة في المجتمع.

 

- أثر الوالدين وعلاقتهما بالطفل على نشوء ظاهرة السرقة عنده

قد يكون أحد الأسباب التي تدفع الطفل إلى عملية تعويض الحرمان غياب أحد الأبوين؛ كأن يسافر مثلاً فترة طويلة أو يُسجن، أو يتوفى أحد الوالدين أو نحو ذلك. وأيضاً: قد يكون السبب: الحاجة أو الفقر أو الحرمان، فيسرق ليسد رمقه، وفي هذه الحالة الدافع يكون قوياً، بحيث لا يدعه يفكر في عاقبة السرقة، فهو يريد أن يأكل فقط؛ لأنه جائع، وليس مستعداً لأن يفكر في العاقبة.

أحياناً تكون السرقة علامة تكشف عن وجود توتر داخلي في هذا الطفل، غالباً تكون السرقة اكتئاباً من شيء معين، كأن يكون ناتجاً عن كثرة الصراع بين الأبوين، واستمرار المشاكل بينهما، واطلاع الطفل على هذه الأشياء، وهو لو لم يطّلع فإنه يُحس بها على الأقل.

 

- الجو الأسري المتقلب والمضطرب

أيضاً من هذه الأسباب: الجو الأسري المتقلب والمضطرب؛ لأن جو الأسرة حين يكون متقلباً ومضطرباً نتيجة العلاقة السيئة بين الوالدين؛ فمن المتوقع أن الرقابة الأسرية تنعدم، ويحصل فيه تساهل من النواحي التربوية، وبالتالي فلا يستطيع الطفل في ظل هذه البيئة المريضة أن يتعلم التحكم في رغباته، وبالتالي يفقد الأمن والحنان.

 

- سلبية الأبوين وأثرها في تكريس ظاهرة السرقة عند الطفل

أحياناً يكون هناك إقرار من الوالدين أو أحدهما على سلوك السرقة، كأن تعرف الأم أن الولد سرق شيئاً فلا تبالي -علماً بأن سلوك السرقة عند الطفل يبدأ من داخل البيت، قبل أن يخرج للمجتمع- وتقول: ما دام أنه يسرق في البيت فليست مشكلة، المهم ألا يفضحنا أمام الناس، ولا يشوه سمعة الأسرة، فعدم المبالاة هذه تدعم فيه هذا السلوك المنحرف.

أحياناً يأتي الطفل وقد سرق شيئاً من زميله: كقلم، أو مسطرة، أو كراسة، فيقابل في البيت بنوع من الدعابة والمزاح والاستحسان أحياناً، فهذا الفعل سيدعم فيه هذا السلوك، فهو في أول الأمر يؤخذ بصورة الدعابة ثم ينتهي بأنه يصبح عادة متأصِّلة في هذا الطفل.

 

- أثر الممارسات الخاطئة عند الأبوين على نمو ظاهرة السرقة عند الطفل

من هذه الأسباب: البيئة المتصدعة، فبعض الأسر يكون فيها نوع من التصدع واهتزاز القيم، فالأب مدمن منحرف السلوك، أو محترف للسرقة، فهذه البيئة يتشرب منها استحسان هذا الفعل، وأنه إذا نجح في السرقة سيشعر بلذة القوة ونشوة الانتصار.

 

- خوف الطفل  من العقاب:

 أحيانا يفقد الطفل أحد أغراضه، وهو يلعب مع زملائه خارج المنزل، مثل: كرته التي اشتراها له والده، أو ساعته، فيخشى إخبار والديه بذلك خوفًا من عقابهما له، وللتخلص من هذا المأزق يلجأ إلى السرقة، التي غالبا ما تكون سرقة نقود أحد الوالدين لشراء لعبة أخرى شبيهة باللعبة التي فقدها، لإخفاء فعلته، واتقاء عقاب والديه".

 

- حب الاستطلاع والاستكشاف  لدى الطفل

مبالغة الوالدين في أخذ الاحتياطات الأمنية لحفظ الأشياء، سواء كانت غالية أو رخيصة، قد يثير عند الطفل حب الاستطلاع، والحرص على اكتشاف السر، فالتكتم الشديد أو الاحتياط الشديد حتى في الأشياء التافهة يعطي الطفل دافعاً على أنه استطاع أن يصل إلى الشيء المخبأ، سواء كان طعاماً أو غيره، ويجد في ذلك نوعاً من اللذة الكبيرة، وبالتالي تزرع فيه نواة السرقة بدون قصد، لأنه إذا حرص على حب الاستطلاع والاستكشاف والاجتهاد في كشف هذا السر، وإذا استطاع أن يسرق هذا الشيء سيعاقب، فإذا عوقب يعود من جديد للسرقة، لكن هذه المرة بدافع الانتقام والتشفِّي، ولسان حاله يقول: سأثبت لكم أني أستطيع أن أسرق مرة ثانية.

 

- إسراف الوالدين في العقوبة دون النظر إلى دافع السرقة

إسراف المربي في العقوبة دون النظر إلى الدوافع التي دفعت هذا الطفل إلى السرقة، وفضيحته أمام الناس وأمام الآخرين: هذا حرامي هذا لص هذا سارق فإذا كان هذا الطفل عنيداً سيستمر في التحدي، ويتمادى في هذا السلوك.

 

- الغيرة والانتقام  من الآخرين :

قد يلجأ الطفل إلى السرقة في بعض الأحيان بدافع الانتقام، فقد يسرق الطفل والده، لأنه صارم وقاس في معاملته له، وقد يسرق الطفل زميله في المدرسة؛ لأنه يغار منه، بسبب تفوقه وتميزه، وقد تتحول هذه الغيرة للانتقام في حالة قيام المدرس بمقارنة بين الطفل المتفوق والطفل السارق، وبالطبع لا تكون المقارنة في مصلحته فيلجأ إلى السرقة بدافع الانتقام والتشفي".

 

- الفقر والحرمان.

قد يلجئ الطفل إلى السرقة لشراء شيء أو حاجة هو محروم منها، بسبب فقر أسرته أو بخل والده الشديد، فيسرق إما لشراء طعام يشتهيه، لأنه جائع، وليس معه نقود، أو يسرق ليشتري لعبة هو محروم منها، وقد يسرق في بعض الأحيان لإشباع هواية لديه.

 

- رفقاء السوء

مشكلة السرقة عند بعض الأطفال قد تكون نتيجة مرافقتهم لأصحاب السوء، وبالتالي فهم يريدون أن يثبتوا أنهم أقوى وقادرون علـى أي شيء؛ وقد يسرق الطفل رغبةً في تقليد تلك الصحبة، بدون أن يفهم عاقبة ما يفعل.  (يتبع)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

السرقة عند الأطفال: الأسباب والعلاج، رفيدة الصفتي، موقع مصر العربية.

محو الأمية التربوية، لمحمد أحمد إسماعيل المقدم، دروس صوتية قام بتفريغ بعضها موقع الشبكة الإسلامية.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


بسام حسن المسلماني

ليسانس آداب (قسم تاريخ ) جامعة القاهرة 2004م.

بكالوريوس خدمة اجتماعية 1995م.

حاصل على معهد القراءات (مرحلة التجويد) 1997م.

*- كاتب ومحرر صحفي في موقع "لها أون لاين" والمشرف على محاور تقارير ودراسات وشاركوا بالرأي والاستطلاع والملف الشهري، من يناير 2008 وحتى الآن.

*- صحفي بمجلة سياحة وآثار سعودية.من ديسمبر 2010 وحتى الآن.

*- كاتب ومحرر صحفي بمجلة قراءات إفريقية.

*- نائب مدير تحرير موقع مجلة قراءات إفريقية.

*- إعداد وتقديم مواد إذاعية وحوارية في موقع "لها أون لاين".

*- صاحب مدونة "دفتر أحوال الأمة" (http://anns012.maktoobblog.com/)



الإصدارات:


- مراجعات قادة الجهاد.. السياق والمستقبل
http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/2007/11/25/55474.html

- الصومال .. وسيناريو الحرب المقبلة
- http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/Takrer-raisi/2006/12/28/26057.html

- مستقبل العلاقات الباكستانية الأمريكية .. بعد اغتيال بوتو
http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/2008/01/03/57621.html

- العسكر في تركيا .. هل ينقلبون على جول؟
http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/Takrer-raisi/2007/04/29/40651.html
- العلاقات المصرية الإيرانية إلى أين تسير..؟
http://www.islammemo.cc/Tahkikat/2007/12/28/57319.html

- مؤتمر”شرم الشيخ” .. واستباق الفشل
http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/Takrer-raisi/2007/05/03/41178.html

- الإسلاميون داخل فلسطين 48.. موقف خاص من الانتخابات
http://www.islammemo.cc/2006/03/25/2525.html

- الأحزاب العربية داخل فلسطين 48 .. ورهاناتها الانتخابية
http://www.islammemo.cc/2006/03/25/2523.html

- أزمة الحجاب في تونس.. مقاربة تاريخية
http://www.lahaonline.com/articles/view/14327.htm

- الصحفية "إيفون ريدلي".... أسيرة طالبان التي أصبحت داعية للإسلام
http://www.lahaonline.com/articles/view/15619.htm

- المرأة المسلمة النيجيرية.. عقبات ونجاح
http://www.lahaonline.com/articles/view/15784.htm

- الشخصية الصوفية
http://www.alsoufia.com/rtb_uploaded_images/magazine_9.pdf

- بين الثورة المصرية وثورة الاتصالات ... وطن جديد
http://www.lahaonline.com/articles/view/37717.htm

- الثورة السورية .. وازدواجية المواقف
http://www.lahaonline.com/articles/view/38308.htm


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *: لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...