صورة أب! لها أون لاين - موقع المرأة العربية

صورة أب!

عالم الأسرة » شؤون عائلية
18 - ربيع الآخر - 1439 هـ| 06 - يناير - 2018


1

لم يكن وجود الأب يوماً ما مجرد صورة تذكارية، يجتمع فيها مع أفراد الأسرة لبضع لحظات؛ لإخراج صورة جماعية خالية من الروح. ولم تقف حدود بصمته في الأسرة إلى حد الصورة فقط. فهو حتماً ركن أساسي من أركان الأسرة، يحتاج للأسرة، وتحتاج هي أيضاً لوجوده وبصماته الحقيقية التي بها تستقر الأسرة، ومن خلالها يرتسم المنهج التربوي المتوازن للأولاد.

فللأب أدوار غابت في الوقت الحاضر عن الكثير من البيوت، على اعتبار أنه منشغل أكثر وقته في عمله، ولا يمتلك من الوقت ما يكفي للقيام بدوره كأب داخل المنزل. والحقيقة أنه رغم انشغاله، وتعدد مهامه يجد متسعا من الوقت للكثير من الأمور الأخرى كالسفر، أو لقاء أصدقائه، وأوقات ترفيهية أخرى ينفرد بها لنفسه. وهي أوقات أكثر بكثير من الأوقات التي يحتاجها الأولاد منه ليقوم بدوره الطبيعي. غير أن المشكلة الحقيقية أنه لا يعرف دوره الحقيقي، فهو لم يتربَ على أن يكون أباً، ولربما ما وجد القدوة من والده. والأسوأ من ذلك أنه لم يتدرب ويجتهد ليعرف ما عليه القيام به؛ وبالتالي فهو يسقط إخفاقه الأبوي على ضيق الوقت أو الانشغال أو التبرير، على أن دور الأب يقف عند حدود العطاء المادي فقط، وأن الدور التربوي هو من اختصاص الأم وحسب.

وإن حاول القيام بدوره من حين لآخر فإنه يحصره بكونه مصدراً لإخافة الأولاد، فبإمكانه أن يضرب ويصرخ دون حساب لتسير أمور الأبناء على ما يرام من وجهة نظره. دون أن يعلم أن ما يراه مختلف تماماً عما يكون في غيابه. وهذه نتيجة طبيعية للقسوة غير المبررة والمنزوعة من كل الوسائل التربوية الأخرى. أو على النقيض قد يعتقد أن دوره تعويض ما يقضيه من الوقت خارج البيت، فيعمل على التدليل ليفسد الطفل بعطاء بلا حدود، ويخلق فيه الاتكالية. ولم يُدرك أنهم ليسوا بحاجة للأسلوب هذا ولا ذاك. بل لتربية متوازنة من أب مُدرك معنى دوره الحقيقي. فالقليل من الوقت الذي يقضيه مع أولاده، يستمع لمشكلاتهم بكل إنصات، يتحاور معهم، يصحح لهم بعض المفاهيم الخاطئة،  يرشدهم على الأسلوب الأمثل في الكثير من أمور حياتهم، ويحكي لهم من خلاصة تجربته الحياتية قصصا يأنسون بها ويتعلمون منها. كل ذلك لا يحتاج لوقت طويل، إنما لوقت مُثمر يشتاق له الأبناء، فالعبرة بنوعية الوقت لا طوله. ومن الممكن أن تكون بعض هذه الأدوار أثناء اجتماعه معهم على وجبات الطعام؛ مما يجعله يجمع بين مشاركتهم الطعام والأنس معهم والفائدة لهم.

فالأولاد في كل مراحل حياتهم يحتاجون لقدوة يستنسخون منها سلوكياتهم، وأسلوب حياتهم خاصة الأولاد الذكور الذين يحتاجون لنموذج يماثلهم في الطبيعة والاحتياجات ليحذوا حذوه. ومهما حاولت الأم بأن تُغطي مكان الأب؛ فإنها لن تتمكن من سد ما يُحدثه غيابه على الأولاد.

فالأب مصدر الأمان الذي يتوق له الأولاد، وإن كانت الأم مصدر الحنان، فالأب بجمعه بين الحزم والحب وهو مصدر الأمن النفسي والراحة النفسية، وهما المقومان الرئيسان لبناء شخصية الأولاد وثقتهم بأنفسهم.

كما ويشعر الطفل أن أباه هو منبع للعلم، فيحتاج لأن يسأله عن كل شيء، ومن عظمته في نظره تكثر الأسئلة الموجهة إليه. ومنه يتعلم الكثير عن الحياة والمجتمع، ويحب أن يقارن طفولته بطفولة والده؛ ليقيم نفسه ومسيرته، ويهتم كثيراً لأن تكون صورته جميلة عند والده. ومن هنا تأتي أهمية الدور الحازم للأب. فكلمة منه أفضل من الكثير من الكلمات من الأم؛ نظراً لقربها ووجودها الدائم بينهم، بينما غياب الأب يعطيهم الشوق له، والاهتمام لما يقوله والرغبة في الامتثال لرضاه؛ مما يشكل انضباطاً لسلوكياتهم. ويظهر ذلك بشكل واضح عند غياب الأب عن الأسرة؛ مما يجعل الأولاد يخرجون عن المألوف داخل الأسرة؛ لإحساسهم بغياب القائم على الضبط الأسري. فمصاحبته لهم ُتشعرهم بالاستقرار النفسي والثقة. وحتى عند غيابه لظروف العمل: من المهم التواصل معهم بشتى الوسائل، ولا سيما الوسائل الحديثة في التواصل، والتي توثق العلاقة بهم، وتمكن مكانته في الأسرة و دوره؛ وليشعروا أنه مهتم بهم، متابع لهم، يعلم كل ما يجري حتى ولو لم يكن حاضر الجسد، فهو حاضر بالروح والمكانة. ومن المهم التعرف على أصدقائهم خاصة المراهقين منهم، من باب المصاحبة والتقرب منهم بأصدقائهم. وأيضاً للاطمئنان على صلاح الأبناء، والذي يتعلق بشكل كبير بصلاح الأصدقاء. ويعد دور الأب مكملا لدور الأم، لا ينفصل عنه. فإن كانت متابعتهم في البيت من أولى اهتماماتها، فإن متابعته لهم خارج البيت على رأس المهام التربوية الموكلة إليه.

ويبقى توفير الاستقرار الأسري بتبادل الاحترام بين الوالدين: نواة التربية السليمة، ومحور دور كلا الوالدين. مع تفعيل الدور الحقيقي للأب، وألا يبقى خارج نطاق الخدمة، فذلك مهم لخلق النمط الوالدي داخل عقل الطفل اللاواعي، فحاجة الأولاد لأب يمثل لهم مصدد الأمان، وفي الوقت  نفسه مصدراً للسلطة والضبط، ويُشبع احتياجاتهم العاطفية، ويملأ أنفسهم بالثقة والرضا هي أهم من الاشباع المادي، والتي تُعنى بمظهرهم وتُهمل أنفسهم. فتبني أجسامهم وتُهمل أنفسهم؛ لتبقى خاوية تفتقر للكثير؛ وليكون دور الأب حينها الحاضر الغائب، أو أن يختزل دوره في مجرد صورة أبوية.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...