الأدب والقضايا الاجتماعية

أدب وفن » آراء وقراءات
11 - ربيع الآخر - 1439 هـ| 29 - ديسمبر - 2017


الأدب والقضايا الاجتماعية

من طبائع النفوس السوية: أن تستهويها الكلمة الحلوة، والمعنى العميق، والفكرة الصائبة، تنجذب إلى من يخاطبها بها، وتركن إلى ما يقولونه، وتسلم بما يقررونه، وربما تعتنق إلى حد التشبث رؤاهم وأفكارهم، لذلك نرى المجتمعات البشرية تتناقل حكم الحكماء، وأدب الأدباء، بل والأمثال الشعبية التي تحمل تلك الخصائص، وتورثها لأجيالها أزمنة طويلة، ومن منا لا يتمثل بحكمة أو ببيت شعر أو مثل قاله قائل قبل قرون طويلة، عندما مر بحالة مشابهة لمضمون ذلك القول.

 

وعلى مر العصور: حمل الأدب نصوصاً تذخر بتجارب حيوية عميقة، تختزن خبرات انتهى إليها صاحبها بعد معاناة غير قليلة، وقدمها في صياغة جميلة نستمتع بها ونستفيد مما تختزنه. وتزداد المتعة والفائدة عندما ترتبط تلك التجارب والخبرات برؤى إيمانية، تنهل من معين الهدي الإلهي، وما زالت كذلك حتى يومنا هذا.

 

ومن النصوص الأدبية اللافتة للنظر في هذا الميدان: أبيات لأمير الشعراء في العصر الحديث أحمد شوقي، طوّف فيها على بعض القضايا الاجتماعية، مشحوناً بمشاعر إيمانية، فجرها في أعماقه موقف أشار إليه رمزاً ولم يفصح عنه، نفهم من إشارته أنه انفصل عن أحبته الذين أمضى معهم أوقاتا سعيدة، وأحس بسبب ذلك أن سعادة الدنيا مهما بلغت نشوتها زائلة، بل إنها تورث من يستغرق فيها عندما يفتقدها مرارة وألما، وأن ما مر به من سعادة مهما طال قصير، يقول:

وأحباب سقيت بهم سلافاً              

وكان الوصل من قصر حبابا

ونادمنا الشباب على بساط            

من اللذات مختلف شرابا

وكل بساط عيش سوف يطوى       

وإن طال الزمان به وطابا

كأن القلب بعدهم غريب                

إذا عادته ذكرى الأهل ذابا

ولا ينبيك عن خلق الليالي             

كمن فقد الأحبة والصحابا

ومثلما تكون آلام المبدعين بواعث عطاء يفيد الآخرين، تحول ألم شوقي من فراق أحبته إلى رؤية حكيمة للحياة الدنيا، تنكر الاستغراق في لذاتها، وتحذر من الاستسلام العبودي لها، ففي هذه الحالة تصبح الدنيا في رؤيته كأفعى تؤذي من يغتر بها ويقصر همه عليها، ناسياً حكم الله في عبد الدنيا، معرضاً عن أبوابه، وهذا ما استخلصه الشاعر من تجربته وما صاغه نصيحة للآخرين، يقول فيها:

أخا الدنيا أرى دنياك أفعى             

تبدل كل آونة إهابا

وأن الرقط أيقظُ هاجعات               

وأترع في ظلال السلم نابا

ومن عجب تُشَيِّبُ عاشقيها            

وتفنيهم وما برحت كعابا

فمن يغتر بالدنيا فإني                             

لبست بها فأبليت الشبابا

جنيت بروضها ورداً وشوكاً          

وذقت بكأسها شهداً وصابا

فلم أر غير حكم الله حكما              

ولم أر دون باب الله بابا

وتنتقل رؤية شوقي من العموم إلى الخصوص، وتركز على أهم سمة من سمات العبودية للدنيا هي: العبودية للمال، التي تجعل همَّ صاحبها الاستكثار منه، والشحَّ في إنفاقه، حتى في مواطن البذل التي أمر الله بها، مواطن البر والإحسان، يقول:

ولم أر مثل جمع المال داءً            

ولا مثل البخيل به مصابا

فلا تقتلك شهوته وزنها               

كما تزن الطعام أو الشرابا

وخذ لبنيك والأيام ذخراً                

وأعط الله حصته احتسابا

فلو طالعت أحداث الليالي              

وجدت الفقر أقربها انتسابا

وأن البر خير في حياة                 

وأبقى بعد صاحبه ثوابا

وأن الشر يصدع فاعليه               

ولم أر خيّرا بالشر آبا

وينبه شوقي الممسكين عن البر والإحسان إلى آثار هذا الإمساك السيئة على المجتمع، فضلاً عن الإثم عند الله، فالإنفاق على الفقراء والأيتام إسهام في تنمية المجتمع، وإطلاق لطاقات مبدعة يحبسها الفقر، ولرب يتيم أو فقير لو وجد من يرعاه لصار مبدعاً يعم نفعه المجتمع كله. ولو ترك في يتمه وفقره فلربما صار حاقداً على المجتمع ومؤذيا أيما أذى، يقول:

أراد الله بالفقراء برا                    

وبالأيتام حبا وارتبابا

فرب صغير قوم علموه               

 سما وحمى المسومة العرابا

ولكان لقومه نفعاً وفخراً               

ولو تركوه فكان أذى وعابا

فعلّم ما استطعت لعل جيلاً             

سيأتي يُحدث العجب العجابا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: موقع مجلة رابطة الأدب الإسلامي العالمية

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


بدر محمد بدر

الكاتب الصحفي الأستاذ بدر محمد بدر عمل سكرتيرا إعلاميا للداعية الإسلامية الحاجة زينب الغزالي رحمها الله لأكثر من خمسة عشر عاما، عرفها خلالها عن قرب، وهو شاهد على الكثير من مواقفها الدعوية.
وفي هذه الحلقات يحدثنا بدر محمد بدر عن انطباعاته وشهادته على هذه المرحلة التي قضاها بالقرب من الداعية الكبيرة رحمها الله


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *: لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...