أسنان عائشة

أدب وفن » دوحة السرد
08 - ربيع الآخر - 1439 هـ| 26 - ديسمبر - 2017


أسنان عائشة

 في الخيمة, وللخيمة بابان, أحدهما ينفتح باتجاه الطريق العريض, المؤدي الى الحمامات والمغاسل, والآخر ينفتح على الطريق الأضيق, مقابل خيام الجيران. في الخيمة: كانت الأم تجلس القرفصاء في زاوية وضعت فيها سخانة كهربائية, تعد الطعام لأسرتها, وفي الباب المطل على الشارع: جلست ابنتها عائشة, تراقب بصمت متوتر حينا, غاضب أحيانا, ما يجري أمامها من أحداث.

ـ أمي فمي يؤلمني.. أسناني تهتز في أماكنها.

ـ اصبري يا ابنتي.. وجع الأسنان بسيط.. وأنت كبيرة وشجاعة.

الجد أبو عبد الله يمسك خرطوم الماء, يسقي به مسكبة البقدونس والنعناع المزروعة أمام خيمته, ويدور ليسقي شتلات الكوسا واليقطين, تبتسم له عائشة فيرشقها برشة ماء, تضحك بكركرة طفولية عذبة، ويضحك الجد, يلوح لها بيده مسلما, ويرمي لها حبة بندورة قطفها من مزرعته, تأخذها بفرح, وتقضمها متلذذة.

ـ حين أشفى سأسقي مسكبة البقدونس، وأزرع لك الورد والياسمين يا أمي

مرت مجموعة من البنات الصغيرات، تحمل جرادل الماء, تنقلها من المغاسل إلى داخل الخيام, لتستعملها الأمهات في غسيل الثياب والمواعين, كانت البنات تضع أحمالها على الأرض؛ لتنقل الحمل من يد الى أخرى, تقطع لهاثها المتعب لتتبادل بعض العبارات والضحكات, لوحت لهن عائشة بيدها، فما التفتن إليها, بل تابعن السير إلى أهدافهن مسرعات.

ـ أمي حين أشفى سأرافق هؤلاء البنات، وأنقل لك الماء الى داخل الخيمة, لن تنقليها بعد ذلك وحدك.

انتهت العجوز الساكنة في الخيمة المقابلة من كنس خيمتها، وكنس مساحة إضافية أمام الخيمة, رشت الأرض بالماء منعا للغبار, مدت بطانية على الأرض النظيفة، وجلست مع زوجها يتبادلان الحديث بصوت منخفض, ويحصيان بأصابعهما عدد الشهداء من أسرتهما, ويحصيان عدد الأموات والمحاصرين والمهجرين, ويحلمان معا, بالعودة إلى القرية, والحصول على قبر في ترابها, بينما كفت عائشة عن حركاتها، وراحت تتأمل نقوش الوشم على ذقن الجارة وجبينها, وعلى ظاهر كفيها, وكفي زوجها.

ـ أمي: لماذا لا تغسل جارتنا هذا الحبر عن وجهها ويديها؟ أما عندها صابون؟ أما أخذت حصتها من معونات الهلال الأحمر؟

الأم مشغولة بإعداد الطعام, السخانة الكهربائية تنطفئ تارة، ويتوهج سلكها الحراري تارة, ثم ينقطع, فتفصل التيار عن السخانة، لتصل السلك وتعود لإتمام عملها, لم ترد على سؤال واحد من أسئلة ابنتها الجالسة كجلستها كل يوم في المكان ذاته, طارحة الأسئلة ذاتها والملاحظات ذاتها.

مرت إسراء ابنة الجيران تحمل دميتها, مسرعة إلى خيمة صديقتها آية, لتكمل معها خياطة ثوب جديد للدمية.

ـ أمي: أريد دمية شقراء، مثل دمية إسراء.

مجموعة أخرى من البنات الصغيرات، عبرت تتواثب بحركات مدرسية, تطير شعورهن المربوطة على أكتافهن, يرددن أناشيد حفظنها من التلفاز, أنشدت عائشة معهن، وتمايلت بجذعها، فتناثر شعرها على كتفيها, تجاوزت البنيات مرمى بصر عائشة فصمتت وعادت للعبث بأسنانها.

مرت لطفية على الدرب ذاتها, تمسك بيدها خيطا طويلا، ربطت في نهايته كيسا بلاستيكيا فارغا, تركض بعكس اتجاه الريح, وتتلفت إلى الخلف بفرح ظاهر, غافلة عن كل ما يحيط بها, تنظر بسعادة ظاهرة إلى الكيس الذي امتلأ بالهواء، وطار على ارتفاع قامة فوق قامتها, قررت عائشة في نفسها, سأخبئ كيسا فارغا لألعب به مثلها حين أشفى, أنا أستطيع الركض أفضل منها, سأسابقها وأسبقها.

ـ أمي: انظري، خلعت سني. ولم أشعر بالألم!

ـ لا تحزني يا صغيرتي. بعد أيام سينبت في مكانه سن أجمل منه وأقوى, يدوم معك طويلا.

ـ أمي: متى ستنبت لي رجلان جديدتان في مكان رجليّ المقطوعتين؟!!

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *: لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...