أسر خارج التغطية

عالم الأسرة » شؤون عائلية
28 - ربيع أول - 1439 هـ| 16 - ديسمبر - 2017


أسر خارج التغطية

تُشكل الأسرة النواة الأساسية للمجتمع، ولبنة مهمة لبنائه. وكذلك هي الحضن الآمن لكل أفرادها؛ كونها مصدراً لتلبية احتياجاتهم المختلفة وتقديم الوعي والحماية المناسبة لأفرادها من الأخطار الخارجية، بالإضافة إلى مهمتها في احتواء مشكلاتهم، وتقديم أفضل الحلول لهم بأقل الآثار الممكنة المترتبة عليها.

ومع ذلك تجهل الكثير من الأسر أهمية دورها وواجباتها تجاه أفرادها، فتظل خارج نطاق التغطية، وتعيش بمعزل كامل عن أفرادها، وكأن دورها يقتصر فقط على توفير مكان السكن لهم دون أن تمنحهم حقوقهم، أو تُشعرهم بواجباتهم تجاهها وتجاه أفرادها. فتظهر كبناء مترهل متفكك لا في هيكله الخارجي، وإنما بتكوينه الداخلي ووظيفة أفراده. مما يجعلها في معزل عن المشكلات التي قد يواجهها الأبناء، والأخطار التي يتعرضون لها دون أن يجدوا من يحتويهم إنصاتاً وتوجيهاً؛ نتيجة لما يحدث من مشكلات متكررة بين الوالدين، تجعلهم في حالة انشغال بها عن أبنائهم، أو نتيجة لانفصالهما أو حتى انشغالهما لمواكبة التغيرات الحديثة التي طرأت على حياتنا الراهنة، والتي دفعت كلا الوالدين للانشغال بعمله. فضلاً عن انحراف الاهتمامات الوالدية تجاه أمور أخرى غير البيت والأبناء؛ مما يجعل البيت مكاناً لوجودهما معاً كمظهر اجتماعي جيد. غير أن الحقيقة هو انفصالهما عاطفياً داخل البيت. ويُعد الطلاق العاطفي بينهما هو الأقسى أثراً على الأبناء؛ لما فيه من تجاذب الأبناء كل لطرفه، واستخدامهم من كلا الأبوين لتعزيز جانبه. مع الحرمان من كليهما رغم وجودهما؛ لانشغالهما بالمشكلات التي لم يجدا لها حلاً. وعندها يستخدم كلا الوالدين الأبناء كوسيلة للضغط على الطرف الآخر بجذبهم إليهم، ليكونوا في صف أحدهما دون الآخر. وبذلك يعمد على سرد كل المشكلات والسلوكيات السلبية للطرف الآخر؛ في محاولة لكسبهم لطرفه، وكأنهم أدوات لا روح لها ولا إحساس تُستخدم من قبل الوالدين دون أن يُدركا أن هذا الأسلوب يزرع التنافر في نفوس الأبناء لكلا الطرفين، ومحاولة الابتعاد والهروب عن كل الجو الأسري المشحون بالكراهية والمشكلات. بالإضافة إلى تحميل كلا الزوجين مسؤولية الأبناء للآخر، وكأن وجودهم عبء يتقاذف وجوده الوالدين.

فالأسباب كثيرة، وأياً كانت المسببات لكن النتيجة واحدة، والتي تخلق أسرة متفككة تعيش صراعاً داخلياً وتهمل أبناءها؛ مما يدفعهم للصراع مع أنفسهم ومجتمعهم؛ نتيجة الفراغ العاطفي الذي حرموا منه في أسرهم، مما يجعلهم في دائرة من المشكلات الناتجة عن هذا التفكك والتي من أهمها:

التخلف الدراسي: العلم هدف سامي يزرعه الأهل في نفوس الأولاد؛ لتنميتهم دينا ودنيا غير أن انشغال الآباء وغياب دورهم في تعزيز هذا الجانب: يقلل من دافعية الأبناء تجاه التحصيل الدراسي، ويشتت أهدافهم. كما أن وجود الوالدين مع انشغالهم بمشكلاتهم فيما بينهم، يؤثر سلباً على الصحة النفسية للأولاد؛ مما يقلل من تركيزهم وقدرتهم على التحصيل العلمي، بل والنظرة لأنفسهم ومستقبلهم بشكل عام.

الانحراف الخلقي والسلوكي: وهي من أخطر الآثار المترتبة على التفكك الأسري إذ إن الإهمال داخل الأسرة؛ يدفع بالأبناء للخارج، ناقمين على أنفسهم ومجتمعهم.  فيجسدون العدوانية في سلوكهم ويتعطشون لبيئات تحتضنهم أياً كانت؛ مما يدفعهم لرفاق السوء والتأثر بخلقهم وسلوكهم ليكونوا عناصر هادمة لأنفسهم ومجتمعهم. أو أن يحاولوا نسيان مشكلاتهم في أحضان الإدمان.    

ضياع الأبناء: بإيجاد أبناء بلا هوية أو انتماء؛ مما يجعلهم عرضة للاستغلال من فئات منحرفة أو خارجة عن القانون، تحاول إشباع حاجاتهم، وإيجاد كينونة وإن كانت زائفة لهم، لكنهم للأسف حرموا من وجودها في أسرهم، ليبدؤوا رحلة سعيهم لإيجادها على يد من يستغلها.

الهروب من المنزل: عندما لا يُشكل المنزل مكاناً آمناً لأفراد أسرته بتراكم المشكلات، يصبح مكاناً ضاغطاً مزعجاً عليهم عندها يخرج بعض الأبناء من نطاق أسرهم؛ للبحث عن الاستقرار في مكان آخر خاصة بهم. أو عندما يصبح الأبناء محطة لتفريغ انفعالات الوالدين، كأن يغضب الأب من زوجته فيعمد لضرب الأبناء على أقل هفوة دون تفهم لاحتياجاتهم وأسباب سلوكهم. وكثيراً ما يكون هروبهم واحتضان من يستغلهم لأغراض سيئة ليس بأشد خطورة من بقائهم في نطاق أسري مهدد الأمن؛ ليعيشوا في حالة من العزلة والاكتئاب، وتنشأ شخصياتهم بشكل غير سوي.

تكرار بناء أسرة على نمط أسرهم: فلا تنتهي المشكلة بتخريج أبناء الأسر المفككة، بكل ما تحمله أنفسهم من عقد نفسية فحسب؛ إنما تتعداها لتتأصل في نفوسهم؛ لتصل إلى درجة تكوين أسر على غرار أسرهم، وكأنهم يعيدون نفس الكرة، ولكن هذه المرة مع أبنائهم لتستمر هذه المعاناة على نطاق أوسع ولعدد أكبر من الأفراد. وهذه أكبر المشكلات لما لها من أثر لا على الأسرة والأبناء فحسب بل على المجتمع ككل.

لذا من المهم علاج أسباب المشكلة، والتخلص منها للقضاء على آثارها السلبية، وذلك يبدأ بمحاولة كلا الوالدين حل مشكلاتهما بمعزل عن الأبناء. مع إيجاد حلول وسطية يرضى بها كلاهما؛ لضمان بيئة أسرية جاذبة لأفرادها، مشبعة لاحتياجاتهم العاطفية قبل المادية. مع تمكين دور الأب والذي يرمز لوجود كبير، فالأب ذو كلمة مسموعة لاحتواء الأبناء وحل المشكلات. مع توحيد الأسلوب التربوي لكلا الوالدين للحد من الخلافات بينهما.

وكذلك محاولة إيجاد هدف أسري، مبنياً منهجه على رضا الله في التربية والتعامل والسلوك، والسعي لاستعادة الأسرة لدورها التوعوي لأبنائها، وتأهيلهم لأدوارهم في الأسرة، وإيضاح ما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات. مع إحاطة البيئة الأسرية بشكل عام، وتغذية الأبناء بشكل خاص بالمنهج الرباني، والتمسك به. والاهتمام بالتغذية الروحية في الأسرة قبل التغذية الجسدية، وكذلك الإشباع العاطفي قبل الإشباع المادي.

فدائماً من المهم أن ننتبه لجودة ما نعمل، وتماسك ما نبني، لا حجمه وشكله. فالبيوت لا تقاس بمظهرها وسعتها؛ وإنما بمقدار تماسك أفرادها وتعاونهم واستقامتهم وقدرتهم على أن يكونوا لبنة صالحة لمجتمعاتهم تعطي بمقدار ما تأخذ.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *: لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...