مع مخلوقات الله

أدب وفن » آراء وقراءات
27 - ربيع أول - 1439 هـ| 15 - ديسمبر - 2017


مع مخلوقات الله

تأمل مخلوقات الله والتفكر فيها، من أجلِّ العبادات، وقد أثنى الله تعالى على الذين يتفكرون في خلقه بقوله: "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"آل عمران191.

 

والباحث في التراث الإسلامي سيجد مئات الشواهد والآثار التي ترغب في التأمل والتفكر في مخلوقات الله والحكمة منها، وهي كلها ترغب في هذه العبادة، وتحث الناس عليها؛ لما فيها من نفع وارتقاء بالروح والسلوك.

 

ومن بين المؤلفات المهمة في هذا الجانب: كتاب "الحكمة في مخلوقات الله" للإمام أبي حامد الغزالي ـ رحمه الله ـ  المتوفى عام 505هـ.

 

ويعد هذا الكتاب من أنفس ما ألف أبو حامد ـ رحمه الله ـ، فهو صاحب مؤلفات كثيرة مشهورة، منها كتاب إحياء علوم الدين، وغيره من المؤلفات الأخرى الضخمة التي تزخر بها المكتبة الإسلامية.

 

غير أن هذا الكتاب على صغر حجمه: يعد إشراقة دعوية، وبيانية وجمالية لا تبهت بانقضاء الأزمان، لما فيها من فوائد كثيرة، ففيها من الحكمة والبلاغة، والأدب، والدعوة، والتأمل العميق الذي يضع الإنسان في حجمه الطبيعي، بين هذه المخلوقات العظيمة، كالجبال والبحار، والشمس والقمر والأشجار، والأرض..إلخ.

 

ويمتاز الكتاب بأنه خطاب عام لجميع الفئات العمرية، دون سن محدد، فهو خطاب مباشر إلى الروح، والروح من حيث هي لا تؤثر فيها الفوارق العمرية، أو الاجتماعية، أو حتى التاريخية، وذلك بالقفز من زمن إلى زمن آخر.

 

فالروح المتعلقة بخالقها الشغوفة بالخير دائما، يصل هتافها إلى كل مكان؛ كما أنها هبة الله لخلقه، ومن أسراره الكبيرة، ويبقى بريقها متصلا من جيل إلى جيل، يسافر عبر الأزمان يشع جمالا وحكمة، ولغة خاصة يدركها أصحاب الأرواح المتقاربة المتآلفة! ألم يقل رسولنا صلى الله عليه وسلم: "الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ"رواه الشيخان.

 

وكتاب الغزالي ـ رحمه الله ـ فضلا عن كونه رسالة دعوية تدعو الناس لشكر ربهم على نعمه الكثير، وتثبت اعتقاهم بواحدانية الله، فهو لوحة جمالية وصورة بيانية مشرقة، فتخيل نفسك وأنت تسبح معه وهو يصف البحار، ويصف الهواء، ويصف الأرض وما فيها من مخلوقات وزروع وطيور.

 

إنها صور متراكبة تنعش الروح، وتغذي الخيال، وتثبت الفؤاد وتخبر بني الإنسان أنهم ذرة ضعيفة في هذا الكون الفسيح، وأنهم على ضعفهم مكرمون مفضلون على كثير من هذه المخلوقات التي تفقوهم في الخلق والحجم.

 

هذا الكتاب لا غنى لكل شداة الأدب، وطلاب الفصاحة والبيان عن تذوق معانية، وصورة فائقة الجمال؛ بل لا غنى لكل إنسان عن التجول بين صفحاته، ليتوقف أمام حكمة الله في خلق السماء التي تظلل هذا العالم.

 

وحكمته في خلق الشمس والقمر والكواكب، وحكمته في خلق الأرض والبحار والماء، وحكمته سبحانه في خلق الإنسان، والطير والنبات، والحيوانات.

 

كل ذلك في رسالة تجمع بين التوحيد، والجمالية، عبر إيقاظ النفس البشرية، ولفتها لتأمل قدرها بين هذه المخلوقات، وكيف أن الله تعالى عرض الأمانة ـ وهي التكاليف الشرعية ـ على كل هذه المخلوقات فأشقفت منها وحملها الإنسان!

 

"إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا"الأحزاب72.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *: لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...