كيف نملأ الجزء الفارغ من الكأس بهدوءٍ وثقة؟ لها أون لاين - موقع المرأة العربية

كيف نملأ الجزء الفارغ من الكأس بهدوءٍ وثقة؟

عالم الأسرة » همسات
24 - ربيع أول - 1439 هـ| 13 - ديسمبر - 2017


1

التعامل مع أولئك الذين لا يرون إلا الجزء الفارغ من الكأس، فيضعون عيوبك دائمًا أمام ناظريهم، ولا ينسون أخطاءك حتى وإن اعتذرت عنها ألف مرة، يحتاج إلى صبرٍ طويل، وثقة عظيمة بالنفس، ومرونة كافية تقيك صدمات آرائهم المحبطة، واستدعائهم المستمر لأخطائك. وهؤلاء إن كانوا بعيدين في مكانتهم من قلبك، فلن يضروك إلا قليلًا، ولن ينجيك من ضرهم إلا أن تتعامل معهم بتحفُّظٍ؛ لتبتعد قدر الإمكان عن نقاط الاحتكاك معهم.

أما أولئك المقربون من قلوبنا، ومنهم الذين يعيشون معنا في بيت واحد ونخالطهم ليل نهار، ويهمنا أمرهم، ونحرص على استمرار علاقة رائعة معهم، فلا بد أن تكون لنا معهم وقفة جادة، وأن نأخذ بأيديهم نحو علاج جذري لهذا العيب الذي يدمي القلوب، ويضيع كثيرًا من لذة الحياة وبهجتها.

فتلك الزوجة التي ترى خطأ زوجها كأنه جبل، وتعمل من الحبة قُبَّة ـ كما يقولون ـ وتكفر عشرته، فتتهمه بأنها ما رأت منه خيرًا قط. وذلك الزوج الذي يضخِّم أخطاء زوجته، ويطمس حسناتها أمام سيئاتها، ويتذكر جيدًا تقصيرها، ويجلس يعدِّد لها إثر كل مشادَّة تحدث بينهما، كم مرةً أخطأت، وكم مرةً قصرت منذ أن تزوجها منذ عشرين عامًا، في تكرارٍ لا يملُّه، وقت كل خلاف.    وأيضًا هذا الابن الذي يعترض دائمًا عليك، ويتهمك بأنك تحابي أحد إخوته عليه، ولا تنصفه وقت الخلاف، وأنه دائمًا وأبدًا المظلوم الوحيد بين إخوته، جميع هؤلاء الذين يعترضون كثيرًا ولا يرضون إلا قليلًا، يجب التركيز معهم جيدًا، والعزم على الحدِّ من سلوكهم المزعج الذي هو كفيل بإحداث إحباط قد يطول أمده، ويقوى أثره للدرجة التي تقتل الإبداع داخلنا في شتى مناحي الحياة، والذي يتسبب أيضًا في كبت مشاعر سلبية تجاههم، قد تظهر في سلوكيات غير مرغوبة وغير مبررة أثناء التعامل اليومي معهم، كعصبية وانفعال زائد تجاه تصرفاتهم، أو كصوتٍ عالٍ  أثناء الحوار معهم، أو تجهُّم واستياء واضِحَين على محيانا في أوقاتنا العادية، وقد نصل أحيانًا إلى بكاءٍ من دون سبب، وذلك وقت أن يفيض بنا الكيل، وتثقل النفس بملاحظاتهم المحبطة التي لا تذكر لك حسنةً قدمتها، ولا جانبًا أبدعت فيه، أو انتصرت فيه على نفسك، وأصلحت من بعض عيوبك التي يوضِّحونها لك ليل نهار.

وأول خطوة في الحدِّ من السلوك المزعج لهؤلاء هي: أن تنظر إليهم بعين رحيمة، فتراهم مساكين ينهكون أنفسهم بتذكر سيئات من حولهم، فلا يرضون أبدًا؛ ولذلك لن يسعدوا أبدًا، وما سعادة المرء إلا في رضاه عما قُسِم له، ورضاه عمن يشاركه حياته، ولن يتحقق الرضا إلا إذا كان واسع الأفق حكيمًا، يدرك يقينًا أن كلَّ إنسان له ما له، وعليه ما عليه، ويكون أيضًا عادلًا يعطي كلَّ ذي حق حقه، وغير أناني، ويكون منصفًا إذا تذكَّر لك سيئة، جاءت ألف حسنة أمام ناظريه تزاحم تلك السيئة، فتطمئن نفسه إليك وترضى بك.

والخطوة الثانية في العلاج: أن تكون معه منتبهًا، ولا تغفل أبدًا عن ملاحظاته السلبية، ولا تجعلها - بأي حال من الأحوال- تمر عليك مرور الكرام، ولتكن معه تبعًا للقاعدة التي تقول: (أكون أو لا أكون)، فإذا قال لك: لقد قصَّرت في حقي في الموضع الفلاني، بادر بتفسيرٍ مقنع لما شكَّ فيه، واعتذر بسهولة إن كان ثمة تقصير منك، ولتخبره أنك اعتذرت لاقتناعك بخطئك في حقه، ولأنه يهمك، ولتطلب منه أن يتذكر اعتذارك - فيما بعد- وقت تذكره الخطأ؛ حتى لا يؤلمك ويعيدك إلى نقطة الصفر، ويعاتبك من جديد على خطأ اعتذرت عليه، وقُلْ له: «إنما أنا بشر، ومن ذا الذي ما ساء قط، ولعلك تذكر لي حسنات تمحو بها تلك السيئة».

وإذا لفت نظرك بكلامٍ عابر إلى تقصيرٍ منك في حقه، كأن يقول زوج لزوجته مثلًا: لم تقومي بكي ملابسي، وسأضطر أن ألبس ملابس أمس، فلتبادر الزوجة إلى جبر هذا التقصير وكي الملابس، ثم توضح له أنها قد اهتمت بما يعاني وصححت خطأها، وذلك بطريقة جميلة مازحة معه، كأن تقول: (لقد قمتُ بكي ملابسك، وأعتذر عن التقصير غير المتعمد، فأرجو ألا تظل نفسك توسوس لك أني مقصرة معك في هذا الجانب). وكذلك الزوج الذي بادر بتنفيذ طلب طلبته منه زوجته كإصلاح جهاز معطَّل في البيت، عليه أن يلفت نظرها أنه قد بادر بالإصلاح، وعليها أن تتذكر ذلك له وقت أن يوسوس لها شيطانها بأنه لا يهتم بما تعاني، ولا يبادر إلى إصلاح ما قد تعطَّل في البيت.

بهذه اللفتات اليسيرة في الحياة العادية: ينتبه من يهمنا أمرهم أنهم يخطئون في حقنا حين لا ينصفونا من أنفسهم وقت الخلاف، وينتبهون أيضًا إلى ذلك الجزء المملوء من الكأس، والذي كان يطمسه شيطانهم أمام أعينهم، فنأتي نحن لنبينه رغمًا عن شيطانهم، في محاولة جادة منا للانتصار لأنفسنا وعدم بخسها حقها؛ وبهذه الطريقة تزداد ثقتنا بأنفسنا، لنستطيع المضي قدمًا في الإنتاج والإبداع في هذه الحياة، ومن ثمَّ نستطيع بهدوء وثقة ملء الجزء الفارغ من كأسنا، فدائمًا النقد المستمر وتكبير الأخطاء يقتلان في النفس روح المثابرة والإبداع، ودائمًا وأبدًا المعاناة الصامتة تقتل السعادة داخلنا وتجعلنا دائمًا غير راضين عن شركائنا الذين يحبطوننا، وغير راضين عن أنفسنا العاجزة عن التوضيح والتبيين. ولنضع أمام أعيننا القاعدة العظيمة في التعامل، قاعدة كل الناجحين والمتميزين في علاقاتهم، والتي تقول: (تكلَّم حتى أراك).

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...