الرُّبيِّع بنت معوِّذ الأنصارية: المُجاهِدة الباسلة! لها أون لاين - موقع المرأة العربية

الرُّبيِّع بنت معوِّذ الأنصارية: المُجاهِدة الباسلة!

واحة الطفولة » واحة القصص
08 - ذو الحجة - 1438 هـ| 31 - أغسطس - 2017


1

إنها الرُّبيع بنت معوذ بن عفراء الأنصارية، إنها الصحابية التي نشأت في أسرة طيبة تحب الله ـ تعالى ـ  ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ومستعدة للتضحية بأغلى ما لديها، من أجل دعوة الإسلام، فأبوها هو معوذ بن الحارث بن رفاعة، وهو أحد السبعين أنصاريًّا الذين بايعوا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ  بيعة العقبة الثانية، على أن ينصروه ويحموه إذا شرفهم بالإقامة في مدينتهم يثرب، كما أنه شارك في غزوة بدر، واستشهد فيها، بعد أن قام بدور كبير في قتل عدو الإسلام أبي جهل بن هشام.

وأمها هي أم يزيد بنت قيس، وأختها هي عميرة بنت معوذ؛ من الصحابيات.

تروي لنا كُتب السِّير والتاريخ أن قصة إسلامها بدأت حين سمعت وهي صبية صغيرة عمَّها معاذ ابن الحارث يحدث أخاه معوذ (والد الربيع) حين عاد من مكة، عمَّا فعل في موسم الحج عامهم ذلك، قال: بينما كنا عند العقبة، أقبل محمد بن عبد الله (أي النبي) فقال لنا: مَنْ أَنْتُمْ ؟ قَالُوا مِنَ الْخَزْرَجِ. قَالَ: أَفَلَا تَجْلِسُونَ أُكَلِّمُكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ . فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الْإِسْلَامَ، وَتَلَا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ وَكَانَ مِمَّا صَنَعَ اللَّهُ لَهُمْ أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا مَعَهُمْ فِي بِلَادِهِمْ، وَكَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ، وَكَانَ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ أَكْثَرَ مِنْهُمْ، فَكَانُوا إِذَا كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ قَالُوا: إِنَّ نَبِيًّا سَيُبْعَثُ الْآنَ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ نَتَّبِعُهُ، فَنَقْتُلُكُمْ مَعَهُ، فَلَمَّا كَلَّمَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَرَفُوا النَّعْتَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَا تَسْبِقُنَا إِلَيْهِ يَهُودُ، فَآمَنُوا وَصَدَّقُوا، وَانْصَرَفُوا إِلَى بِلَادِهِمْ لِيَدْعُوا قَوْمَهُمْ، فَلَمَّا أَخْبَرُوهُمْ لَمْ يَبْقَ دُورٌ مِنْ قَوْمِهِمْ إِلَّا وَفِيهَا ذِكْرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى إِذَا كَانَ الْمَوْسِمُ وَافَاهُ مِنْهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا "(1).

فقال معوذ بن الحارث لأخيه معاذ: فُزتم ورب الكعبة، علِّمني يا أخي مما علَّمكم محمد بن عبد الله، فأخذ معاذ بن عفراء يقرأ بعض آيات من القرآن، ويُرغِّب في الإسلام، فقال معوذ وابنته الربيع: نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله.

وهكذا كانت الربيع وأبوها والمؤمنون من أهل المدينة يتابعون أخبار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ  في مكة، ويعملون في المدينة بالدعوة إلى الإسلام، ليُمهِّدوا أجواء المدينة لمجيء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ  إليهم، وكان عمُّها معاذ أحد اثني عشر رجلًا خرجوا لمبايعة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ  في بيعة العقبة الأولى، على الالتزام بتعاليم الإسلام، وما هي إلا سنة أخرى حتى كان والدها معوذ ضمن سبعين من الأنصار، خرجوا من جديد لمبايعة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بيعة العقبة الثانية على الإسلام ونُصرة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ  وإعانته على تبليغ دعوته إلى العالمين.

عمل الأنصار بجد واجتهاد على نشر الإسلام في المدينة قبل قدوم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ  والمهاجرين إليهم، وأثمرت جهودهم عن انتشار الإسلام في المدينة إلى درجة أن أهل المدينة حين علموا أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ  في طريقه إليهم: اعتلوا أسطح المنازل والنخل في شوق لرؤيته، وألَّفوا الأناشيد لاستقباله الاستقبال اللائق به. فلما اقترب الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ  من المدينة: استقبلوه استقبالًا يليق بمقامه الشريف، ويليق بكرم الأنصار وصادق إيمانهم به ومحبتهم له.

في هذه الأجواء: عاشت الربيع بنت معوذ أجمل أيام حياتها، وأعذب ذكرياتها، فتمكَّن الإيمان أكثر وأكثر في قلبها وعقلها.

ثم بدأت الاختبارات والأحداث الصعبة تتوالى على الأنصار، فها هو النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ  يخرج لقتال المشركين في بدر رغم قلة عدد المسلمين، وينجح الأنصار في الاختبار، ويُثبتون صدق بيعتهم للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ثم يخرج بهم بعدها إلى غزوة أحد، فيخرجون معه، ويقاتلون قتال الأُسود، بل وتخرج بعض نساء الأنصار لسقي العطشى ومداواة الجرحى، وتقول الربيع عن ذلك: كنا نغزو مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ؛ نسقى القوم ونخدمهم، ونرد (أي نُعيد ونُرجع) القتلى والجرحى إلى المدينة.

وحين يقوى الإسلام ويخرج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ  بالمسلمين لدخول مكة حُجَّاجًا لبيت الله الحرام، ترفض قريش دخولهم مكة، وحرصًا من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على عدم قتالهم وسفك دمائهم، رغم كفرهم وعدائهم له، يرسل عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ ليفاوضهم على دخول المسلمين إلى الكعبة دون قتال، ويذهب عثمان، وحينئذ يُشاع أن قريش قتلته، فيبايع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ  أصحابه بيعة الرضوان (الشجرة) على القتال حتى الموت، فنجد الربيع تبايع النبي كالرجال في شجاعة نادرة، وهي البيعة التي ذكر الله في القرآن في سورة الفتح، وأنه سبحانه وتعالى قد رضي عن المؤمنين فيها، غير أنه يثبُت خطأ الشائعة، حيث يعود عثمان رضي الله عنه سليمًا معافًى، ويتم عقد صلح الحديبية بين النبي صلى الله عليه وسلم  والمشركين.

تزوجت الربيع من إياس بن البكير، وهو صحابي جليل، شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من السابقين إلى الإسلام في مكة.

ولما كان للربيع مكانة خاصة في نفس النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فقد شرفها بزيارة خاصة صبيحة زواجها، وكانت هذه الزيارة من أسباب سرور الربيع وسعادتها، تقول الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ لزوجها إياس: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ  غَدَاةَ بُنِيَ عَلَيَّ، فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي وَجُوَيْرِيَاتٌ يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ يَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِهِنَّ يَوْمَ بَدْرٍ، حَتَّى قَالَتْ جَارِيَةٌ: وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ : "لاَ تَقُولِي هَكَذَا وَقُولِي مَا كُنْتِ تَقُولِينَ"(رواه البخاري). أي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ  نهاها عن القول بأنه يعلم الغيب؛ لأن الغيب لا يعلمه إلا الله.

وولدت الربيع بنت معوذ طفلًا أسمته محمدًا، وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ  أحيانًا يزور الربيع فيقول لها: اسكبي لي وضوءًا، فكانت الربيع من أحفظ الصحابيات لوضوئه، وحفظت عنه قوله صلى الله عليه وسلم : « «لاَ يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاَةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ»(متفق عليه).

وكانت الربيع تستمتع بتذكر ذكرياتها مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ  وهداياه لها، فتقول: إنها ذات يوم أتت النبي الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ  بطبق من رطب، وآخر من عنب، فناولها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ  حُليًّا وقال لها: تحلِّي بهذا.

وتكبر الربيع حتى ترى أحفاد بعض الصحابة، وذات يوم يأتيها أحد أحفاد الصحابة، وهو أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، فيقول لها: صفي لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقول: يا بني، لو رأيته لرأيت الشمس طالعة.

فرضي الله عن هذه الصحابية الجليلة وأرضاها، فقد كانت نموذجًا ومثالًا للمؤمنة التقية، والمجاهدة الباسلة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)أورده ابن حجر في الفتح، في كتاب مناقب الأنصا، باب وفود الأنصار، وعزاه لابن إسحاق، راجع سيرة ابن هشام: (2/292)، و طبقات ابن سعد: (1/219)، ورواه البيهقي في دلائل النبوة: (2/433)، وحسنه الألباني في تعليقه على فقه السيرة: (154).

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...