زينب بنت النبي : ذات الوفاء والفداء (2ـ2)

واحة الطفولة » واحة الأخلاق
11 - رمضان - 1438 هـ| 05 - يونيو - 2017


1

نستكمل قصتنا التي بدأناها في الحلقة السابقة ولما هاجر النبي e وأصحابه إلى المدينة، فرارًا من بطش قريش ومؤامراتها، بقيت زينب  في مكة في حماية زوجها، وبالرغم من أنها أحبت أن تهاجر، وتشارك المؤمنين في تكوين الدولة الإسلامية الجديدة بالمدينة المنورة، فإنها استمرت تراعي شؤون بيتها وزوجها، آملةً أن يهديه الله. ثم تأتي غزوة بدر، ويخرج كفار مكة بنيَّة القضاء على المسلمين، ويطلبون من أبي العاص أن يشاركهم، فيخرج معهم ويقاتل المسلمين، ثم تنتهي المعركة بهزيمة الكفار، ووقوع أبي العاص أسيرًا في أيدي المؤمنين، ثم يعلن المسلمون أنهم سيقبلون فداء الأسرى (والفداء: ما يقدَّم من مالٍ أو غيره لتخليص الأسير). وهنا ترسل زينب بأغلى ما تمتلكه، لتفتدي زوجها من الأَسْر، وكان قلادة ذهبية أهدتها إليها أمها يوم زفافها، وما إن يرَ النبي e القلادة، حتى يتذكر زوجته الراحلة خديجة ـ رضي الله عنها ـ، وتفيض عيناه بالدموع لهذه الذكرى العَطرة للمرأة التي ساندته في أحلك الأوقات وأشد الأزمات، فيتأثر الصحابة، ويتمنوا أن يفعلوا شيئًا يَدخلون به السرور عليه، وإذ بالنبي e ينظر إليهم ويقول: "إن رأيتم أن تُطلِقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها"(رواه أبو داود وغيره، وحسنه عدد من العلماء)؛ أي تُفرجوا عن زوجها بلا فِداء، وتُعيدوا إليها قِلادتها.   فيقولون في صوت واحد: قد فعلنا يا رسول الله. يعود أبو العاص إلى مكة، ويأذن لزينب بالهجرة واللحاق بأبيها في المدينة، فتخرج مهاجرةً وهي حامل، فيلحقها بعض المشركين الأنذال ويُسقطونها عن راحلتها، فيتسببون في موت جنينها في بطنها، وتنزف دماؤها لدرجة أنها لم تستطع الهجرة يومئذٍ، فتعود إلى بيتها حتى تشفى، ثم تخرج بعدها بأيام ليلًا سرًّا مهاجرةً إلى المدينة. وذات يوم، يخرج أبو العاص ببضائعه وبضائع بعض القرشيين إلى الشام، فلما فرغ من تجارته، وعاد راجعًا لقيته سريَّة (السرية هي مجموعة مسلحة من المسلمين، تخرج في مهمة محدودة ضد الكفار) لرسول الله e، فأخذوا ما معه، وفرَّ أبو العاص هاربًا. هرب أبو العاص ولجأ إلى بيت زوجته زينب لتحميه، فهو كافر، وإذا رآه المسلمون فسيقتلونه. اتخذت زينب قرارها الجريء فأجارته، وعندئذ أخبرها أنه أتى ليطلب المال الذي أخذته منه سرية المسلمين؛ لأنه مُؤتمنٌ على جزء كبير منه. فلما خرج رسول الله e إلى صلاة الصبح، رفعت زينب صوتها من ناحية النساء قائلة: "أيها الناس، إني قد أجَرتُ (أدخلتُ في حمايتي) أبا العاص بن الربيع"، فلما سلَّم رسول الله e من الصلاة أقبل على الناس فقال: «أيها الناس، هل سمعتم ما سمعتُ؟ قالوا: «نعم»، قال: «والذي نفس محمد بيده، ما علمتُ بشيء من ذلك حتى سمعتُ ما سمعتُم» (رواه الطبراني والحاكم، وحسنه الألباني).   ثم انصرف رسول الله e فدخل على ابنته، فقال: «أي بنية، أكرمي مثواه، ولا يخلصن إليك؛ فإنك لا تَحلِّين له"(رواه ابن إسحاق والبيهقي بسند منقطع). أي أن النبي e قبِل حمايتها له، وأمرها بإكرام ضيافته، لكن دون أن تُعامله كزوج، فإنَّ كُفره جعَله حرامًا عليك، وليس له إلا حق الضيافة والحماية. وإكرامًا للنبي e وابنته، ردَّ الصحابة إلى أبي العاص ماله كله، فعاد أبو العاص إلى مكة، وأعاد الأموال لأصحابها، ثم قال: "يا معشر قريش، هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه"؟ قالوا: "لا، فجزاك الله خيرًا، فقد وجدناك وفيًّا كريمًا"، قال: فأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، والله ما منعني من الإسلام وأنا عند محمد إلا تخوُّفي أن تظنوا أني أردت أن آكُلَ أموالكم، فلما أدَّيتها إليكم أسلمتُ. ثم خرج أبو العاص حتى قدِم على النبي e، فأسلم بين يديه، فأخبر النبي أبا العاص وزينب أنهما عادا زوجين كما كانا، فالتأم شملُ الأسرة في سعادة من جديد بفضل الله، وفرِح كلٌّ منهما بالآخر فرحينِ عظيمينِ؛ الأول: الفرح بنجاة أبي العاص من ظُلمات الكفر، والثاني: الفرح بعودة كلٍّ منهما إلى الآخر، في ظلال الحب الطاهر وطاعة الله ورسوله.   واستكملت زينب مهمتها في إسعاد زوجها وتربية أبنائها، حتى إذا كانت السنة الثامنة من الهجرة توفيت السيدة زينب  ـ رضي الله عنها ـ متأثرة بالنـزف الذي لازمها منذ محاولة هجرتها الأولى، وتأثر زوجها بوفاتها تأثرًا شديدًا، فبكى عليها وأبكى مَن حوله، وحزن عليها رسول الله e والمؤمنون حزنًا عميقًا. فرضي الله عن زينب ـ رضي الله عنها ـ ، فلقد كانت سيرتها ومواقفها مثالًا فريدًا في إخلاص الزوجة ووفائها وتضحيتها، وفي رعاية زوجها والحرص عليه، وفي الإيمان والثبات عليه، فجزاها الله خيرًا.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...