الله يهديهم

عالم الأسرة » همسات
05 - رمضان - 1438 هـ| 31 - مايو - 2017


1

كان يا ما كان في سالف العصر والزمان، كان هناك حارة ساكنة ووادعة، ولم يكن يعكر صفو هذه الحارة إلا صبية إخوة مشاغبون، غاب والدهم، وتولت تربيتهم أم ضعيفة. كانت الحارة في زمن كان يقضي فيها الأولاد وقتا أكثر، مما يقضونه في بيوتهم، فلقد كان البيت للنوم والأكل، وحتى هذا الأخير ليس ضروريا، فبإمكان الأولاد الأكل عند الجيران، فالكل كانوا كالأهل، لذا كانت الحارة هي البيت الثاني للأولاد، لكن هؤلاء الإخوة المفسدين جالوا في الحارة، وعاثوا فيها الفساد وآذوا العباد، ولم يسلم من شرهم لا الإنسان ولا حتى الحيوان، لم تبق لمبة مضيئة إلا ورموها بحجر، لم يسلم من أذاهم لا الصغير ولا الكبير. ولهم في كل بيت توقيع وختم دائم مدى الحياة، فهذا قد شجوا رأسه، وذهبوا به لخياطة رأسه، فتساقط بعض شعر الرأس، وبقيت ندبته أبد الدهر، وهذا قد تشاجروا معه، فكسروا ذراعه، ثم وضعت في الجبس لأشهر، وهذا قد دفع به على وجهه فانتزع جلد ركبته، وهكذا: تعددت الإصابات والسبب واحد.

          في كل إصابة جديدة، يأتي أهل المصاب بالمصاب، ويطرقون الباب على هذه الأم الضعيفة

-     انظري ماذا فعل أولادك؟

-   فتقدم المسكينة أشد الاعتذار، وتطلب العفو والسماح  منهم، ثم تردد: الله يهديهم، الله يهديهم.

-     أو ما زال عندك أمل في هدايتهم؟؟!! ادعي الله أن يأخذهم، فلقد آذوا البلاد والعباد.

-     ولا ترد الأم إلا بالعبارة نفسها.

-     الله يهديهم، الله يهديهم.

-     فيصرخ أهل المصاب يا رب تأخذهم.

-   واستمر حال الأولاد، وزاد شرهم بزيادة طردية، مع ازدياد عمرهم.

-   فكر أهل الحارة أن يشتكوا عليهم عند الشرطة؛ للتخلص من أذاهم، لكن ردعهم الصالحون رحمة بأمهم الضعيفة.

-   وازدادت الدعوات التي تنهال عليهم، بزيادة عدد المتضررين من شقاوتهم، كان كل الناس يدعون عليهم وبأعلى صوت: يا رب تأخذهم، ونرتاح من شرهم.

-      إلا  صوتا واحدا كان يدعو لهم و بصوت ضعيف.

-     يا الله تهديهم.

-    و لنر كفة من رجحت. لقد وزنت الدعوات بميزان حساس دقيق، و لكنه ميزان سماوي، فثقلت كفة الأم، وطاشت أدعية الناس هباء منثورا.

-   نعم هداهم الله، بل كرم الكريم لا حدود له، فلقد ظنت الأم بربها خيرا، فكان عند حسن ظنها، دل الله أولادها إلى طريق المسجد، ففرح إمام المسجد بهم أيما فرح، والذي كان جارا لهم، فلقد عانى المسجد من عبثهم لبضع سنين، واهتم بهم أعظم الاهتمام، فلم يكن هناك رجل في حياة الصبية يحسن تربيتهم، أكملوا هؤلاء الصبية تعليمهم الجامعي، وتخرج منهم  إمام  المسجد، والمهندس والطبيب، وكلما التقى  بهم أحد من الحارة القديمة، لا يصدق أنهم هم أنفسهم الصبية المشاغبون أنفسهم، فيبحث الناس في دهشة عن سبب هدايتهم، وما يلبثون أن يتذكروا دعاء والدتهم: الله يهديهم.

فيرددوا: فعلا دعوة الوالدين مستجابة.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...