الصوم و وإغاثة المنكوبين لها أون لاين - موقع المرأة العربية

الصوم و وإغاثة المنكوبين

دعوة وتربية » سنن وفضائل
23 - شعبان - 1437 هـ| 31 - مايو - 2016


1

       يحل على الأمة الإسلامية هذا العام (1437هـ) شهر رمضان الكريم، والأمة مثخنة بجراحات عميقة، وآلام موجعة، شابت من هولها الولدان، ويعجز عن وصفها البيان، فالحروب الضروس التهمت ألسنة نيرانها الأخضر واليابس حتى لم يعد للحياة معنى في بعض البلدان العربية والإسلامية، ولم يعد لقول الرسول عليه السلام:  «مَنْ أَصْبَحَ مُعَافًى فِي بَدَنِهِ، آمِنًا فِي سِرْبِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» (رواه الترمذي وغيره، وحسنه الألباني) وجود في هذه الديار المنكوبة. 

  فلم يعد الرجل آمنا في سربه لأن آلاف المسلمين اليوم مشردون عن ديارهم، يجوبون الدنيا شرقا وغربا يطرقون أبواب اليهود والنصارى طلبا للمأوى فلا يجد معظمهم غير كهوف الجبال وقارعة الطرق، وأشجار الغابات، والصحراء بشمسها الحارقة.

 وآلاف المسلمين اليوم حرموا من نعمة العافية في أبدانهم؛ لأن فيهم الجريح والمكسور والمعاق والمشلول والمريض، والمسجون المحروم من رؤية زوجته وأولاده. وآلاف المسلمين اليوم حرموا من القوت فلا يجدونه إلا في فضلات القمامة،  أو بانتظار يد المحسنين  التي تمتد إليهم بين الفينة والأخرى.

 في الوقت الذي يزهو فيه بعض الأغنياء بثياب الديباج والحرير، ويقدمون اللحوم الطازجة لحيوانات مفترسة يربونها داخل بيوتهم، ويهرعون إلى لأطباء استعجالا للكشف على قططهم،  خوفا من عناء الحمل أو الإصابة بالمرض، ناهيك عن السيارات الفارهة التي لا يشعرون فيها بالبرد القارس، أو الصيف اللافح، وموائد الطعام التي تمثل معرضا دوليا لأشهى المأكولات العربية قديما وحديثا، في قصور غشاها من زينة الأنوار، وفاخر الأثاث، وسعة الحدائق  وألوان الزهور، وكثرة الخدم ما تحار في وصفه العقول.

    هذا التناقض العجيب والغريب لا علاقة له بتفاوت الأرزاق، وتعدد الطبقات كما يحلو للبعض أن يبرره مستمسكا بأطرف واهية، وتفسيرات ضعيف لآيات قرآنية، تبين  تفاوت الناس في الرزق والفضل مثل قوله تعالى: {وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ} النحل 71. وقوله تعالى:{ وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ} هود 118. وربما تمادى بعضهم وأوغل في العناد واستسلم لوحي شياطينه، و قال بكل تبجح مقولة الكافرين:{أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ} يس: 47

إن هذا التناقض المقيت المذموم شرعاً وعقلاً وضميراً، لن تجد قانونا بشريا مهما اتصف بقساوة العقوبة وغلظتها يستطيع معالجته أو التقليل من آثاره وخطورته على المجتمع لسبب يسير، وهو أن دوافع العطف والإحسان، والشعور بألم المرارة والحرمان لدى الأغنياء لا تعالج بسن القوانين البشرية، مهما كانت صادرة عن دول موغلة في الحضارة والرقي. ولك أن تتخيل أن أمريكا مثلا لما حاولت القضاء على ظاهرة شرب الخمر في المجتع الأمريكي سنت قانونا{في سنة 1919م سمي قانون "الجفاف"! من باب التهكم عليه؛ لأنه يمنع "الري"بالخمر! وقد ظل هذا القانون قائما مدة أربعة عشر عاما، حتى اضطرت الحكومة إلى إلغائه في سنة 1933م.

  وكانت قد استخدمت جميع وسائل النشر والإذاعة والسينما والمحاضرات للدعاية ضد الخمر. ويقدرون ما أنفقته الدولة في الدعاية ضد الخمر بما يزيد على ستين مليونا من الدولارات. وأن ما نشرته من الكتب والنشرات يشتمل على عشرة بلايين صفحة. وما تحملته في سبيل تنفيذ قانون التحريم في مدة أربعة عشر عاما لايقل عن 250 مليون جنيه. وقد أعدم فيها 300 نفس; وسجن كذلك 335ر532 نفسا. وبلغت الغرامات 16 مليون جنيه. وصادرت من الأملاك ما يبلغ 400 مليون وأربعة بلايين جنيه. وبعد ذلك كله اضطرت إلى التراجع وإلغاء القانون.

فأما الإسلام فقضى على هذه الظاهرة العميقة في المجتمع، ببضع آيات من القرآن} (1).

    تُرى هل هناك فارق بين رجل شارب خمر، و وبين آخر مسرف في اللهو والملذات؟

      الفارق الوحيد أن هذا مسرف في الحرام، وذاك مسرف في الطيبات، لكن النتيجة واحدة وهى تحريم الإسراف؛ حفاظا على العقل والمال وكلاهما من الضرورات الخمس التي جاء الإسلام بحفظها ورعايتها.

    وهنا يتدخل الصوم لوضع الأمور في نصابها الصحيح ويعالج القضية بمنظور إيماني بحت، بعيدا عن  فلسفة سن القوانين والتشريعات ، بقوله تعالى {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} البقرة (183).

      بالتقوى وحدها النابعة عن الإيمان بهذا الدين يكون العلاج، التقوى تمنع الغني من الإسراف وتربيه على الإحساس والشعور الحي بقيمة المال، والمحاسبة على وجوه إنفاقه من ناحية، وبحقوق الإنسان المسلم من ناحية أخرى فضمير الغني التقي لا يسمح لنفسه أن يتخم بطنه في الملذات ويحتكر صنوف الأطعمة في وقت يتضور فيه أخاه المسلم جوعا وعطشا، وتشريدا وتنكيلا؛ لأنه يعلم أن ذلك من نقصان الإيمان فعَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنِ احْتَكَرَ طَعَامًا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً،  فَقَدْ بَرِئَ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَبَرِئَ اللهُ تَعَالَى مِنْهُ، وَأَيُّمَا أَهْلُ عَرْصَةٍ أَصْبَحَ فِيهِمُ امْرُؤٌ جَائِعٌ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُمْ ذِمَّةُ اللهِ تَعَالَى"(رواه أحمد طبعة الرسالة،ج8/ 482  رقم  4880  وضعفه أهل العلم، ومنهم الألباني).

  التقوى وحدها دون غيرها  تنُمِّي الإحساس بالأخوة  فتجعل جسد المسلمين جميعا جسدا واحداً يصح الجميع بصحة الفرد ويمرض الجميع بمرض الفرد فعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى"(رواه مسلمج4/ 1999 رقم2586).

     التقوى وحدها تلزم صاحبها بواجب القيام بالنصرة والمناصرة للمسلم الضعيف رخاء وشدة، وسلما وحربا وظالما وظلوما تطبيقا لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} الأنفال(72).

   وعنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: «تَحْجُزُهُ، أَوْ تَمْنَعُهُ، مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ»  (رواه البخاري)

    التقوى وحدها تحرم صاحبها من الملذات المباحة إحساسا بحاجة الغير إليها،  فإما أن تعطي  منها فضلا وكرما، وإما أن تأكلها  بعيداً عن أعين الجيران؛  حتى لا يشعروا بمرارة الحرمان فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: "أَوْصَانِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا طَبَخْتُ قِدْرًا أَنْ أُكْثِرَ مَرَقَتَهَا، فَإِنَّهُ أَوْسَعُ لِلْجِيرَانِ"(رواه أحمد، ط الرسالة،ج35/305 رقم21380 وهو صحيح على شرط مسلم).

وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ قال وَإِذَا شَرَيْتَ فَاكِهَةً فَاهْدِ لَهُ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَأَدْخِلْهَا سِرًّا، وَلَا يَخْرُجْ بِهَا وَلَدُكَ لِيَغِيظَ بِهَا وَلَدَهُ، وَلَا تُؤْذِهِ بِقِيثَارِ قَدْرَكَ إِلَّا أَنْ تَغْرِفَ لَهُ مِنْهَا» (رواه الطبراني، ورواه الخرائطي في مكارم الأخلاق وابن عدي في الكامل وهو ضعيف).

إن الصوم هو التشريع الإلهى الذي  يوقظ حرارة الإحساس عند الأغنياء؛ لأنه يجعل الأغنياء والفقراء على مسافة واحدة وفي درجة واحدة وفي زمان واحد،  وفي بقعة واحدة  من أرض الإسلام الكل صائم بمعنى أن الإحساس واحد ، والألم واحد ، والتحمل واحد والتقوى هي المعيار الذي يجعل الأغنياء يبذلون  فضل ما عندهم طاعة لله ،وطلباً لرضاه ، وخشية من عقوبته، ورجاءً في مثوبته  حتى إذا حان وقت الإفطار ارتوى الجميع وشبع الجميع وكان للغني مثل أجر الصائم فعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا» (رواه الترمذي وصححه وصححه الألباني)

       فاللهم امنن علينا بنعمة الإسلام، واملأ قلوبنا بالتقوى، ولا تجعل بيننا هذا العام شقيا ولا محروما ولا جائعا ولا عريانا، واجعل من فضل زاد الأغنياء بابا لرحمة الضعفاء والفقراء، والمنكوبين والبؤساء، واجعل لكل غمة حلت بديار المسلمين فرجا ومخرجا إنك على كل شيء قدير.

           اللهم آمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الخمر كيف حاربته أمريكا وكيف قضى عليه الإسلام ،  للشهيد سيد قطب موقع شبكة فلسطين للحوار. https://www.paldf.net/forum/showthread.php?t=889085

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


د. عبد التواب مصطفى خالد

الأستاذ المساعد بكلية الشريعة والقانون ـ جامعة الإنسانية ـ ماليزيا.


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...