لا يزال الحب موجودا!

عالم الأسرة » همسات
04 - شعبان - 1437 هـ| 11 - مايو - 2016


لا يزال الحب موجودا!

أما زلتَ تحبُّني؟ بهذا السؤال بدأت الزوجة بث مشاعرها لزوجها الذي بادلها حبا بحب قائلا: يا مهجة قلبي، أنا أعلم أنك تعبت كثيرا معي، وتحمّلت كثيرا من المآسي والمشاق، التي لم يفتأ الأهل من الطرفين افتعالها أو إذكاء شعلتها بين حين وآخر. ولكن أعلم أيضا أن ورائي (امرأة ليست كأي امرأة) لكنها بألف رجل، يكفي أنها حافظة للكثير من كتاب الله، وتصون زوجها في غيابه؛ لأنها أولا وأخيرا تراقب ربا (لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ) في نفسها، فما أجملك من زوجة! وما أروعك من سكن! وما أطيبك من نفس لا تحمل حقدا أبدا! فهنيئا لك برضا رب العالمين أنْ منَّ عليك بهذه الصفات الجميلة التي قلَّما تجتمع في زوجة فُضلى مثلك حبيبتي!    

عندما أتحدث إليك أجد صفاء نفسك، ودفء حبك فتنتابني رعشة ليست كرعشة مريض زفزف من الحُمّى، ولكنها رعشة جسم رقيق، استلمته نسائم لطيفة، فاختلطت بكل ذرة من ذراته حتى وصلت إلى قلبه فنضحت ما فيه وجعلته صافيا نقيا كأنه وُلِدَ لتوّه، خاليّا من أي شيء يكدِّره، فما أرقها من نسائم! وما أروعها من رعشة!

حبيبتي قد تنغّص تصرفاتي أحيانا ما تحمله مشاعري من حب جميل دافق نحوك، ولكن هيهات هيهات أن توقع بين قلبين أراد لهما رب العالمين أن يتعلقا معا، ويتحدا ضد عواصف الشتاء أو موجات التغيير والتزييف بزعم التحضّر والتمدّن؛ فإنها أقرب إلى التشويه وطمس الهُوية وإخفاء الملامح الأصيلة التي لا تقوم للمرء قائمة من دونها، فهل يريد أيٌّ منا أن يطمس هُويته أو يفقد ذاته أو يلبس ثوبا لا يناسبه؟!

حبيبتي: قد تأتي رياح عاصفة مزمجرة، تهدّد كل شيء أمامها، فتكاد تقتلع الأشجار من جذورها، وتزلزل السيارات المصطفة في الشوارع، وتصطدم بالنوافذ والأبواب بعنف، وكأنها لص يريد أن يفتحها عنوة، مسببة رعبا لمن يقطن هذه البيوت، ناهيك عما تحمله من غبار يسد الأفق ويحول دون الرؤية فيعكر صفو السماء ويغلق التواصل بينها وبين الأرض التي يعيش عليها الخلق، ولكن سرعان ما تهدأ الريح ويخفت صوتها، وتغلب الغبار أمطارٌ يغسل ماؤها ما شوهته الرياح أو طمسه الغبار، فتعود السيارات نظيفة لامعة كأجمل ما يكون، وتنقلب الشوارع متلألئة، يرى السائر فيها نفسه بعدما خلفت الأمطار بقية من ماء صاف نقي. أما البيوت فإنك تشتمّين فيها عبق ما جلبته الأمطار إثر تجديدها روح المكان، وكأنها روته من جديد فسرت الروح في شرايينه، فما أجمل الآثار والنتائج التي تحققت في النهاية، وإن كانت البدايات الكئيبة لا توحي بذلك! فهكذا الحال بيني وبينك، مهجتي إن نغّص عيشنا كدر الغضب أو سوء التصرف أو برود المشاعر، جاءت زخات ود وحب وعطف كنَّا قد ادخرناها فيما مضى لتروي ظمأ علاقتنا وتحيي روابطها التي أوشكت على الفناء.

حبيبتي: إن حبنا كنز دفين داخلنا، في بئر سحيقة، ولكنه يظهر عندما تعظم الحاجة إليه وتوشك أرواحنا على مغادرة أجسادنا، فهل بعد ذلك يقنط أحد منا من رحمة ربه؟! وهل يسلم أيّنا نفسه لرياح تعصف به وتحركه أينما شاءت وكأنه دمية في يدها؟!

إن الحياة نعمة جميلة من ربنا، وهي مصدر سعادة لنا، إن أحسنَّا التصرف معها دون أن نجور على مشاعرنا أو حقوقنا أو روابطنا التي تقوينا ومن دونها نصبح قشة في مهب الريح، وليحافظْ كل منا على روح التسامح والعفو والصفح، وطمس ما يكدر سعادتنا أو يجعل عيشنا مستحيلا، حتى تسير سفينة حياتنا في بحر مستقر، لا أمواج تهدِّدُها ولا عواصف تقتلعُها أو تقلبُها رأسا على عَقب.

ما أجمل الحياة بين الأحبة على بساط الأمان، والقرب في الأرواح قبل قرب المكان، والسكن والرحمة قبل المال والجاه، وطمس الأحقاد، وإبراز كل جميل بينهم، فتستمر الحياة من غير ألمٍ أو شجن.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *: لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...