العمل النسائي الإسلامي في المغرب العربي، نظرة عن قرب.. النشأة والمسارات

دراسات وتقارير » تيارات
06 - جماد أول - 1436 هـ| 24 - فبراير - 2015


العمل النسائي الإسلامي في المغرب العربي، نظرة عن قرب.. النشأة والمسارات

إن الحديث عن العمل النسائي الإسلامي في المغرب العربي هو بالضرورة حديث عن العمل الإسلامي، بل الحركة الإسلامية بشكل عام  في البلدان المغاربية من حيث التاريخ والنشأة، والآثار والمكتسبات، والعوائق والتحديات، والواقع والمستقبل، فالعمل الإسلامي في مجمله اتسم في المغرب العربي بإشراك المرأة في مساره على مستويات متفاوتة وبتدريج زمني ملحوظ من الدعوة إلى التنظيم فالعمل السياسي.

     نعم لا يمكن مقارنة العمل الإسلامي "الذكوري" من حيث النشاط والحضور والمكتسبات بالعمل النسائي الإسلامي لأسباب عديدة، لكن مع ذلك لم تخل نشاطات العمل الإسلامي في كل مراحلها التاريخية من عمل نسائي مصاحب وحاضر وإن بشكل نسبي في كل مراحل الحركة الإسلامية المغاربية، وما لبث أن شهد تطورا ملحوظا عبر الزمن إلى يومنا هذا، وحقق إنجازات باهرة في زمن قياسي. ومن هذا المنطلق لا يمكن الحديث عن التشكيلات التنظيمية والجمعوية بعيدا عن مسار الحركة الإسلامية بكل تشكيلاتها. فما العمل النسائي إلا جزء من مشهد العمل الإسلامي وتجل من تجليات أحداثه ومساره، وإذا كان هناك من عمل نسائي مستقل عن مسارات العمل الإسلامي فهو نادر أو محدد في نشاطات خدمية اجتماعية أكثر منها دعوية تأطيرية.

 

نظرة عامة عن نشأة العمل الإسلامي النسائي:

ولكي تكون النظرة أقرب إلى حجم المشاركة النسائية في العمل الإسلامي مغاربيا وتأثيرها، يمكن القول بأن تناول ذلك من خلال أكبر التيارات الإسلامية على الساحة المغاربية هو البوابة المناسبة للقراءة الصحيحة، ففي الغالب نجد حتى العمل الجمعوي الدعوي النسائي مرتبط بشكل أو بآخر بتلك التيارات ولو فكريا، ففي أكناف الحركة الإسلامية نشأ العمل النسائي.

 

        مسارات العمل النسائي الإسلامي:

في العمل الإسلامي المغاربي يمكن القول بأن النشاط النسائي اتخذ مسارين اثنين:

          مسار مواز للعمل الإسلامي الذكوري، والموازاة هنا تعني مشاركة المرأة تحت القيادات "الذكورية" في نشاطات عديدة كالعمل الطلابي والجمعوي والحزبي على السواء، وهذا المسار ظل هو السائد في بدايات ظهور العمل الإسلامي منذ السبعينات، وبقي محكوما بكل معوقات العمل الإسلامي والتحديات السياسية التي واجهها في إثبات وجوده، وهذا ما جعل المشاركة النسائية في العمل الإسلامي ضئيلة بالمقارنة مع العمل الذكوري. أضف إلى ذلك أن المشاركة النسائية محكومة في الأصل بمبدأ هام تتبناه معظم الحركات الإسلامية، له علاقة بطبيعة العلاقة بين المرأة والأسرة، فالمرأة هي نواة الأسرة، فلا يمكن الفصل بين مسؤولياتها التربوية الأسرية ومسؤوليتها الدعوية ، وعلى هذا الاعتبار يبقى دورها التربوي هاما في البيت كما في خارج البيت، ما يعني أن تواجدها في العمل الإسلامي سيكون أقل، وهو ما تعبر عنه حركة النهضة في تونس بمبدأ التكامل عوض مبدأ المساواة، والتكامل يرمز للتغاير في الواجبات والمسؤوليات بحسب الحاجيات الشرعية، ومن ذلك حاجة الأسرة إلى دور الأم التربوي في البيت.

المسار الثاني: مسار اعتمد على وجود تشكيلات نسائية مستقلة في العمل الإسلامي، وبرز على إثر ذلك قيادات نسائية دعوية وجمعيات متخصصة، وتجاوز العمل النسائي الدور الدعوي إلى لعب أدوار تنظيمية، بل وسياسية فيما بعد، وإن كانت بنسب جزئية. 

        تحديات تطوير العمل النسائي الإسلامي:

        لكن الملاحظ أن مسار العمل النسائي واجه من البداية عوائق  وتحديات عديدة، حالت دون تموضعه في المكان الصحيح، واستطاع مع الزمن تجاوز معظمها وإثبات ذاته على كل المستويات ومن أهم تلك العوائق:

الإقصاء التنظيمي: فكثير من الناشطات الإسلاميات في المغرب العربي يشتكين من الهيمنة الذكورية على مواقع القرار بكل تشكيلاتها في الإطارات الإسلامية، سواء كانت أحزابا أو منظمات أو جمعيات، بحيث لا يسمح للمرأة أن تمارس دورها الطبيعي في التخطيط والتوجيه والتمركز في مواقع القرار ولو جزئيا، وما يسمح به هو الأدوار الدعوية لأجل توسيع القاعدة الاجتماعية.

        وبشكل عام فإن تطور العمل النسائي ظل مرهونا بمجموعة من العوامل، منها: فكر الحركات الإسلامية ذاتها ونظرتها لطبيعة العمل النسائي، ومنها ضعف التكوين والإعداد في برامج الحركات الإسلامية للقيادات النسائية، ومنها العوامل السياسية، وقد اختلف تأثير هذه العوامل بين البلدان المغاربية، فكان المغرب سباقا إلى تفعيل دور المرأة في العمل الإسلامي أكثر من تونس التي تأخرت الحركات الإسلامية فيها في إعطاء المرأة مكانة تنظيمية، أما الجزائر فقد كانت المتغيرات السياسية القاسية عاملا آخر في تحجيم العمل الإسلامي ككل،  وبعثرة أوراقه ومنه العمل النسائي.

مع ذلك أعطت مشاركة النساء في العمل الإسلامي على المستوى المغاربي ثمارا يانعة واضحة، تمثلت في تنامي الأدوار وتوسيع الدائرة النسائية جماهيريا، كما اتضحت في وجود أدوات الضغط النسائية في كثير من الأحداث والمواقف التي تهم الأمة.

 

        دلائل تزايد مكتسبات العمل النسائي الإسلامي في المغرب العربي:

أولا: تنامي الجمعيات النسائية ذات الطابع الدعوي التثقيفي.

ثانيا: تنامي ظاهرة الحجاب في المجتمعات المغاربية بشكل قوي جدا، ولا سيما المؤسسات التعليمية.

ثالثا: هناك دراسة صادرة عن معهد "كارنيجي " للسلام في أمريكا سنة 2007م أعدتها الباحثتان أميمة عبد اللطيف ومارينا أوتاوي رصدت قوة العمل النسائي في العالم العربي، ومن ذلك المغرب العربي من خلال حوارات مع ناشطات إسلامية مغاربية وبين أن هناك: "أدلة عِدة على أن النساء الناشطات قد شققنَ طريقهنَّ في صفوف الحركات الإسلامية عبرَ إنشاء فروع نسائية قوية، والمناداة بمشاركة سياسية أوسع، والارتقاء بتمثيلهنَّ في هيكل الحركة".

رابعا: قدرة التنظيمات والجمعيات الإسلامية النسائية على تشكيل لوبي فاعل في الأحداث الفارقة، فمثلا شاركت النساء بكثافة في الاعتراض على مشروع المدونة، وطالبن الحكومة بسحبه وشاركن في مظاهرة مليونية ضخمة في الدار البيضاء في 12مايو 2000 لرفض المشروع، وهو شيء لا تستطيعه الأحزاب والاتجاهات الأخرى، فهي تفتقر إلى قاعدة جماهيرية بهذا الحجم على مستوى العمل النسائي.

        المستقبل

        إن مقارنة بين حال وضع العمل الإسلامي النسائي في المغرب العربي في الوقت الراهن، وبين ما كان عليه الوضع قبل مئة سنة، بل حتى قبل عشرين سنة ليعطي مؤشرا واضحا وقويا على حجم الإنجازات والمكتسبات التي حققتها الدعوة النسائية بكل أطيافها وتوجهاتها، فالشارع المغاربي اليوم ينبض بمظاهر تلك المكتسبات في مرافقه العامة بعودة الحجاب والقيم على وتيرة متزايدة، كما تنبض بها ميادين المدافعة الفكرية والسياسية في العمل الجمعوي، والحراك الفكري، والمشاركة السياسية، وميادين الثقافة والإعلام، والمؤسسسات التعليمية والأطر الأكاديمية، بل إن مقارنة على مستوى حجم الدعم اللوجستي التي تلقتها الاتجاهات الليبرالية والعلمانية عموما لإنجاح مشاريعها النسوية ومكتسباتها اليوم، وبين مكتسبات العمل النسائي الإسلامي مع ما لقيه من عوائق على جدته وحداثة عهده، ليعطيك المؤشر الأقوى بأنه حقق مكتسبات متسارعة تبعث على التفاؤل بغد مشرق لمستقبل هذا الدين في الوطن المغاربي، بل والوطن العربي كله.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *: لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...