قاطرة التعليم تمضي بلا هدف (4)

إستراتيجية التعلم التعاوني

كتاب لها
21 - شوال - 1435 هـ| 17 - أغسطس - 2014


1

تحدثنا في الحلقة السابقة عن نمط التعلم الاكتشافي الإبداعي، واليوم نتحدث عن واحدة من أهم إستراتيجيات التعلم الحديث، وهي إستراتيجية التعلم التعاوني.

في الآونة الأخيرة، اعتمدت كثير من المدارس هذه الإستراتيجية، وأصبحت تطالب بها معظم المعلمين، وفي واقع الحال فإن عملية استزراع هذه الطريقة في تعليمنا بصورته الحالية، هي نوع من خداع الذات، تماما كالذي يحاول أن يضع محرك سيارة قويا وحديثا في جسم سيارة قديم وضعيف ومتهالك.

مشكلتنا أننا مقلدون في كل شيء، فبدلا من أن نبتكر إستراتيجيات تعليمية، تنبع من بيئتنا وتتفاعل مع مشكلاتنا، ونضع أيدينا على الحلول الحقيقية لواقعنا التعليمي البئيس، فإننا نلجأ إلى أسهل الطرق، وهي أن نستورد إستراتيجيات تعليمية ناجحة في بيئتها، واستطاعت حل مشكلة التعليم في بلادها، ظنا منا أنها ستكون بالضرورة صالحة لظروفنا وأوضاعنا!

إن هذه الإستراتيجية التي طبقت بنجاح في الدول المهتمة بالتعليم، لها ارتباط وثيق بالنظرية البنائية في التعليم، والتي لا تعترف بعملية نقل المعلومات وحفظها وتكرارها كما يحدث عندنا في التعليم العربي؛ والكتاب المدرسي في هذه النظرية هو أحد مصادر المعرفة، وليس المصدر الوحيد، والطالب هو محور العملية التعليمية وليس المعلم، والتعلم الحقيقي ـ حسب النظريةـ يبدأ من بعد عملية توفير مصادر المعلومات أمام الطلاب، إذ على الطالب أن يبني معارفه بنفسه بإشراف معلمين خبراء، ويكوّن مع زملائه ما يشبه ورشة عمل، للتعاون حول تكوين رؤية متكاملة عن الموضوع محل البحث.

تعالوا لنرى مثالا أورده الدكتور إبراهيم وجيه في كتابه (التعلم أسسه ونظرياته وتطبيقاته)

(تدريس ظاهرة الطفو في مادة العلوم كمثال) يكفي أن يكون في الكتاب المدرسي هذه العبارة التالية: (يقوم المعلم بتدريس ظاهرة الطفو للطلاب، من خلال تجربة معملية ومناقشة الطلاب حول هذه الظاهرة وإمكانية الاستفادة منها)، وعلى المعلم أن يقوم بإجراء التجربة المعملية المتعلقة بظاهرة الطفو، ويتناقش مع الطلاب حولها، ويسجلون ملاحظاتهم، ثم يقومون بتطبيق إستراتيجية التعلم التعاوني، من خلال تقسيم طلاب الفصل إلى مجموعات، مع مراعاة توفر مصادر البحث والمعرفة أمام الطلاب، من مراجع علمية وشبكة معلوماتية وجهاز عرض ضوئي، وسبورة ذكية، ويتعاون الطلاب في طرح أسئلة حول هذه الظاهرة وتطبيقاتها، وتتوزع الأسئلة على الطلاب من خلال طالب مشرف على المجموعة، وبالطبع كل هذا بمراقبة المعلم، ومن ثم يقوم كل طالب بالبحث عن إجابات الأسئلة التي بحوزته؛ ليكتشف المعلومة بنفسه، ويسجلها في ورقة عمل لديه، ثم تلتقي مجموعة التعلم التعاوني؛ لتتناقش حول الإجابات، وتٌسجَل هذه المناقشات في بحث كامل، يقوم المعلم بتحكيمه ومناقشة الطلاب حوله، وتصحيح أخطائه، وبعد هذا يُعتمد هذا البحث كمنهج لاختبار المجموعة نفسها، آخر العام مع غيره من البحوث.

هذا هو معنى مقولة كارل رودجرس: "إن التعلم الذي يثبت في الذهن، هو الذي يكتشفه الإنسان بنفسه".

أما ما يحصل عندنا، فلا علاقة له البتة بإستراتيجية التعلم التعاوني، وإن ادعت أغلب المدارس أنها تطبقه، فإننا لا يمكننا أن نطلق على ما يتم عندنا تعلما تعاونيا طالما أنه يدور في دائرة النمط التلقيني للتعلم، ربما يجوز أن نطلق عليه إستراتيجية التلقين الجماعي، لنكون صادقين مع أنفسنا أكثر.

إن الدول التي تهتم بالتعليم، رأت أن أهم العوائق التي وقفت بوجهها في تطبيق هذه الإستراتيجية، هي وجود كم كبير من المقررات الدراسية، فلجؤوا إلى تخفيفها، وكذلك عملوا على تخفيض أعداد الطلاب في الفصل الواحد، و تقليل عدد الحصص العلمية في اليوم الواحد؛ حتى لا ترهق أذهان الطلاب، كما وجدوا أن المعرفة التي يدرسها الطالب حين تكون غير مرتبطة بحياته، فإنها تمثل عبئا ثقيلا عليه، ورأوا كذلك أن تطبيق هذه الإستراتيجية يحتاج إلى معلمين مدربين تدريبا فائقا؛ لأنهم سيكونون بمثابة ربان السفينة لمجتمع الطلاب، وبالتالي لمستقبل الأمة.

إن بيننا وبين الدخول في مرحلة تعميم إستراتيجية التعلم التعاوني مراحل طويلة من سياسات الإصلاح التعليمية؛ لأن طبيعة العملية التعليمية لدينا لا تسمح لطلابنا بالبحث الجاد. فكل شيء قد تم بحثه ووضعه في كتاب مدرسي من قبل خبراء في التربية والتعليم، والاختبار لن يخرج عن الكتاب المدرسي، فعم يبحث الطالب عندنا؟ وأي ورقة عمل سوف يصنعها؟

وللأسف فإن المخرجات التعليمية لدينا لا تكذب، وتكشف بكل وضوح هشاشة العملية التعليمية في أرجاء وطننا العربي!

ليس مقصودا بذاته حشو عقول الطلاب بعشرات الصفحات، إنما المقصود أن يتعلم الطالب ويتدرب ليكون ناجحا في مستقبله العملي.

 إن الهوة سحيقة بين طلابنا وطلاب العالم المتقدم، والفرق ليس في كمية المعلومات التي تخزنها أدمغتهم كما يتوهم البعض، فربما يتفوق بعض طلابنا عليهم في هذا الجانب، ولكن الفرق الحقيقي هو في نوعية المهارات المكتسبة، التي تخرج شخصية قوية واعية ومبتكرة و متسلحة بما تحتاجه من قدرات متميزة، وإمكانات متنوعة، ومعارف لازمة، تؤهله في مجابهة ظروف الحياة. 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...