اتصل بي ( 2ـ 2) لها أون لاين - موقع المرأة العربية

اتصل بي ( 2ـ 2)

عالم الأسرة » أمومة وطفولة
09 - ربيع أول - 1435 هـ| 11 - يناير - 2014


1

لمتابعة الحلقة الأولى

رفعت السماعة وكلي قلق، وإذا بممرضة أطلقنا عليها اسم مصلحة، ينط صوتها من سماعة الهاتف، تحاول أن تنعم صوتا خشنا: نورة حبيبتي، المريضة عالية خالد، قيصرية ،أول ما يخرجون الطفل منها كلميني على هذه التحويلة.

-       ـ  أبشري.

 ما ألأمها! ترتزق من جهدنا، تسبق الاستقبال، وتبشر زوج المريضة لتحصل على الهدية، ونحن لا يدري الناس من أمرنا شيئا، كجنود مجهولين. وليس لنا من أمرنا إلا التعب..........و الأجر والثواب هذا ما تردده زميلاتي، ألم أقل لكم هذا مستشفى غير. تغبطنا  زميلاتنا:  يا حظكن، مرضاكن لا ينطقون، بعكس مرضانا الذين يكثرون التذمر والشكوى.   -  ولكنكن حتما لا تقفن على أقدامكن الساعات الطوال لا تتحركن مترا واحدا.

آه يا طفلي ما هي أحوالك؟....

لا حول و لا قوة إلا بالله, كالعادة الخط مشغول, مئات المرات أخبرت العاملة تأكدي من أن الهاتف موصول.

فترد غاضبة: الأطفال يلعبون به.

وعبثا حاولت إقناع أطفالي أن أمكم موظفة، وعليكم أن تتنازلوا عن بعض طفولتكم لتكونوا عقلاء، وتستطيع أن تتحملكم العاملة.

طلبت من زوجي تعليق الهاتف، فثار غاضبا:

- ـ هذا تخلف، ماذا سيقول  الناس عنا؟ كيف تشوهين جدار منزل جديد؟  لم  أسدد ديونه بعد؟.

-       ـ وما فائدة بيت بأطفال لا يمكن... الاطمئنان عليهم؟

وفي موجة غضب صرخت: ليذهب بيتك وديونك إلى الجحيم، و كذلك الناس الذين تضع لهم مقاما قبل أبنائك، الذين سيسألنا الله عنهم يوم القيامة، ولن يسألنا عن هؤلاء الناس.

وأحضرت مسمارا ومطرقة ودققته في  الجدار، فتفتت  الصبغ،  وأبى الجدار الانشقاق، فالتفت  إلى الباب، فدخل المسمار بخشبه، فعلقت عليه الهاتف، فتنفست الصعداء. وكأن زوجي حين رأى  المنظر قد غرس  مسمار  في  قلبه.

ـ -الآن فقط أستطيع الاطمئنان على أولادي.

فإذا بطفلي يجر ثوبي:

-       ـ ماما، خذي هذا.

وإذا بيده توصيلة الهاتف قد نزعها من الجدار.

-        يا الله! هذه ستحتاج لكهربائي ليغطي التوصيلة بالبلاستيك، فلا يستطيع الأطفال نزعها. وبالطبع زوجي لن يوافق على تشويه قصره الملكي، كي لا يزعج الوزراء والسفراء الذين يترددون على المنزل.

سؤال بريء: المهندسون الذين صمموا البيت، هل يظنون أن سيسكنه أمريكان دون أطفال؟! البيوت السعودية والحمد لله تضج بالأطفال، لماذا لا يصممون بيتا يناسب سلامتهم؟.

إذا ما الحل؟

سأضع لها جوالا.

ولم ترد. هل فكرتم لماذا؟.  انتهى  الشاحن ولا تعرف شحنه.

وضعت لها على ورقة. رقم جوالي في العمل وأرقام كل الحمولة.

مزقها أولادي. في ثورة غضب، أحضرت قلما عريضا  دائما، لا يمكن مسحه، وكتبت كل هذه الأرقام بخط كبير عريض   على باب الفريزر، لم  يكف، فامتدت الأرقام  على  كامل الثلاجة من أعلاها إلى  أسفلها.

 اعذروني فأنا لست مجنونة ولست قذرة، ولكني أم وأحترق عذابا حين أرفع السماعة لأطمئن على  فراخ لم ينبت الريش على أجسادها، فيضرب بي الوسواس الرجيم يمينا ويسارا، ماذا فعلت العاملة بهم؟. أعاهدكم يا أبنائي سأسدد الدين ولن أترككم لأحد بعدها.

-       ما زال الخط مشغولا.

سأتفقد الجوال فحتما عنده الخبر اليقين، الحمد لله لا توجد مكالمة، رسالتان!! خير إن شاء  الله.  يا الله الخط لا يفتح! اليد ترتجف. أرجوك، أرجوك لا تتعطل الآن، خير يارب، يارب....

رسالة من الاتصالات السعودية تهنئني بفاتورة جديدة، كلما فتحت الرسائل تمنيت رسالة حب و غرام من زوج يوسوس الليل والنهار بديونه. أو رسالة شوق من صديقة افتقدتني في زحمة الحياة. فإذا بي لا أرى إلا الفواتير التي هي أكثر وصالا في هذا العالم.

آه يا عظامي! يبدو أن الوقوف أرحم من التمدد على هذه الكنبة.

الرسالة الثانية، ماذا؟! توقف ريقي في فمي، عصرني قلبي( اتصل بي) يبدو الأمر خطيرا، آه يا طفلي، هل ارتفعت حرارته؟ هل تشنج؟ من المتصل؟ حتما هيئة طبية، والدليل ترجمتها  إلى  الإنجليزية ‪call me

فلا أحد عندنا يتحدث الإنجليزية، الرقم غريب، أعرف أرقام مستشفيات المنطقة، ليست منها، هل هو الدفاع المدني؟ الشرطة؟ هل يعقل أن تكون المقبرة؟ آه يا طفلي، أنا السبب، أنا السبب، يبدو حالة هستيرية أصابتني، فبدأت أشعر بالدوار، أسماء  المرضى الداخلين والخارجين تدور فوق رأسي وصوت الهاتف الذي لا يرد وأحاول التماسك، لا، لا يعقل المقبرة! لم أذهب هناك! ولم أسمع أنهم أضافوا هذه الخدمة! الدفاع المدني! لا أتوقع أن يرسلوا رسالة إلى الأمهات!. وما أدراهم؟ حتما أعطتهم العاملة رقمي على أنه رقم الأب، ولكنهم رأوا طفلي ليس بأبيض أو أشقر، لماذا ترجمة الرسالة بالإنجليزية؟!   يبدو  أنها رسالة موحدة ومبرمجة لجميع الجنسيات، يبدو أن سوءا أصاب  طفلي لا محالة، أعاهدك ربي  لئن أنجيت ابني  من هذه، فسأقدم استقالتي ولتذهب هذه الديون إلى الجحيم، سأبيع البيت الكبير حتى  لو رفض زوجي،  وأشتري بيتا صغيرا دون  ديون، تساقطت دموعي دون رغبة مني، لم أرد أن يفتضح أمري، ولكن الجميع في شغل، بين دخول سريع، وخروج أسرع منه، فهنا ليس هناك وقت للمشاعر، يا الله، هل يعلم بحالي من يدعون المطالبة بحقوق المرأة؟! لو كانوا يعلمون بحالي الآن، لأشفقوا علي، ولسعوا لسن قوانين تجبر المرأة ذات الأطفال دون سن المدارس أن تجلس بالبيت ترعى أطفالها.

أعاهدك يا ربي....

أخيرا رد الهاتف، إنه صوت مسجل، يعرض قائمة بأرقام لا أعرف محتواها،  ومن شدة ارتباكي ضغطت رقما، محاولة أن أركز سمعي على ما يقولون، وأخرس صوت أسماء المرضى وضوضاء قسم العمليات الذي يدور حول رأسي.

هل يعقل أن الدفاع المدني قد قام بتوظيف فتيات نواعم؟! إنهن نواعم زيادة عن اللزوم، هؤلاء لا يصلحن للعمل في مؤسسة رسمية، إنهن يصلحن للعمل..... ماذا؟!... هكذا صرخت، فزعة، مندهشة، متقززة. انتبه كل من في الغرفة إلي، لقد نسيت طفلي وحرارته، نسيت آلامي وتعبي، اعتدلت في جلستي، وأنا غير مصدقة ما أسمع، خيال في خيال، أمر لا يصدق، الجميع ينظر لي. لقد كان الصوت من عالم آخر، عالم غير الذي أعيش فيه، ولشدة دهشتي تعاد الرسالة مرة واثنتين وثلاثا وأربعا ............لا أدري كم مرة كررت حتى  أفقت من دهشتي، واستطعت أن أسترد وعيي، وأقوم بردة  الفعل  الطبيعية وأغلق سماعة الهاتف، الكل ينظر إلي، ولكني مازلت تحت تأثير الصدمة، عدت إلى غرفة العمليات، وكأنني أصبت بمس من السحر، نسيت طفلي، نسيت الصلاة، نسيت الأكل، وبدأت أعقم نفسي . هل يعقل أن هناك نساء تبيع شرفها بالهاتف؟! فما لا تستطيع الوصول إليه على الهواء مباشرة، تستطيع الوصول إليه بالهاتف، وذلك أضعف الإيمان. أستغفر الله، هل عند هؤلاء إيمان؟!. أخذت الفرشاة أضفت عليها المطهر، ودلكت بها يدي وذراعي، كم من الوقت سيحتاج هؤلاء ليعقموا أنفسهم؟ ويعقموا المجتمع من جراثيمهم، أدخل المريض  إلى غرفة العمليات، لله درك يا مريض عرفت علتك وسعيت لعلاجها، بل رضيت حتى  لو كان علاجها استسلامك ليد الجراح، فهل هؤلاء يدركون مدى المرض المصابين به، وتكون لديهم الشجاعة لعلاجه؟!

لا أقول إلا اللهم سلم.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...