ملاحظات على (الجلسة 57) للجنة مركز المرأة لها أون لاين - موقع المرأة العربية

ملاحظات على (الجلسة 57) للجنة مركز المرأة

كتاب لها
12 - جماد أول - 1434 هـ| 24 - مارس - 2013


1

مؤتمر لجنة المرأة الذي عقد في الفترة من 4 – 15 مارس 2013م  في الأمم المتحدة لإقرار وثيقة بعنوان (إلغاء ومنع كافة أشكال العنف ضد النساء والفتيات) خرجت مسودته بالعديد من القرارات التي تصطدم وقيم وعقيدة المجتمعات الإسلامية وقد حاولت اللجنة في اجتماعها الـ57 تمرير هذه القرارات، التي هي استمرار لما سبقها من وثائق واتفاقيات على رأسها اتفاقية (سيداو 1979) ووثيقة (بكين 1995).

لكن الخطير هذه المرة هي ما تتكرر عبر هذه القرارات المطالبة بالمراقبة والتقويم والمساءلة في مواضع عدة، بما يعد انتهاكا صريحا لسيادة الحكومات، وفرض للرقابة الدولية عليها والتدخل في شؤونها الداخلية، بل في شؤون الأفراد الداخلية شديدة الخصوصية. بل إن الأمر وصل إلى مطالبة الاتحاد الأوروبي  بتحويل ما أطلق عليها "جرائم العنف المبني على الجندر"، إلى محكمة الجرائم الدولية.

وأخطر ما تضمنته مسودة الوثيقة هي النقاط التالية: (منح الفتاة كل الحرية الجنسية، بالإضافة إلى حرية اختيار جنسها، وحرية اختيار جنس الشريك (أي تختار أن تكون علاقتها الجنسية طبيعية أو شاذة) مع رفع سن الزواج، وتوفير وسائل منع الحمل للمراهقات وتدريبهن على استخدامها مع إباحة الإجهاض للتخلص من الحمل غير المرغوب فيه تحت اسم الحقوق الجنسية والإنجابية، كذلك دعا المؤتمر إلى مساواة الزانية بالزوجة، ومساواة أبناء الزنا بالأبناء الشرعيين مساواة كاملة في كل الحقوق، كما أعطى الشواذ كافة الحقوق وحمايتهم واحترامهم، وأضفى الحماية على العاملات في البغاء.

أوصى المؤتمر أيضا بضرورة إعطاء الزوجة كافة الحق في أن تشتكى زوجها بتهمة الاغتصاب أو التحرش، وعلى الجهات المختصة توقيع عقوبة على ذلك الزوج مماثلة لمن يغتصب أو يتحرش بأجنبية، وكذلك طالب بالمساواة في الميراث، مع إلغاء التعدد، والسماح للمسلمة بالزواج من غير المسلم، وسحب سلطة التطليق من الزوج ونقلها للقضاء، واقتسام كافة الممتلكات بعد الطلاق، مع إلغاء الاستئذان للزوج في السفر أو العمل أو الخروج أو استخدام وسائل الحمل).

ردود الأفعال تجاه هذه البنود تباينت، ففي الوقت الذي احتفى بها أنصار التيار الليبرالي في العالم العربي من أنصار الدكتور محمد البرادعي الذي قال: لقد تم بالإجماع إقرار وثيقة مناهضة العنف ضد المرأة بالأمم المتحدة، زاعما أن ذلك العنف لا يمكن تبريره بدعوى العرف أو التقاليد أو الدين.

كما توجه البرادعى، بالتحية والتقدير لميرڤت التلاوي، رئيس المجلس القومي للمرأة، ولكل نساء مصر.

في حين رفضها التيار الإسلامي في مصر واعتبرها بالهادمة لمؤسسة الأسرة والمدمرة لكيان المجتمع، والداعية للعودة للجاهلية الأولى.

كما أعلن الأزهر أنه بصدد وضع اللمسات النهائية على وثيقة المرأة في أكبر رد عملي على وثيقة الأمم المتحدة. مشيرا إلى أن الوثيقة الآن بين يد عدد من أعضاء هيئة كبار العلماء لمراجعتها قبل طرحها على الرأي العام.

وفي المملكة العربية السعودية أصدر مركز باحثات بيانا انتقد فيه المؤتمر ومسودته، مؤكدا أنها تتناقض والقيم الإسلامية.

وبعيدا عن بنود القرارات وما تم تمريره منها، وما تحفظت عليه الدول الإسلامية فاضطرت الدول الغربية للتنازل عن بعض هذه البنود لتمرير أخرى وبعيدا عن المواقف وردود الأفعال فلنا عدد من الملاحظات نود تسجيلها على المشهد برمته:

خداع المصطلحات:

تبنت الأمم المتحدة للمؤتمر عنوانا براقا لا يختلف على ظاهر مضمونه أحد؛ حتى يخفي وراءه العديد من المطالب الصادمة، التي تتبنى فكرًا أحاديًّا لا يقبل الاعتراض أو التعديل، ولا يحترم التعددية الثقافية والدينية لشعوب الأرض. وهذا هو النهج ليس بالجديد، بل مورس كثيرا وتم استخدامه في تمرير الكثير من الكوارث، لذلك فإن  المصطلحات من أخطر ما يمارسه الغرب داخل المجتمعات الإسلامية، وتنبع خطورتها مما تحمله هذه المصطلحات من قضايا ومفاهيم غير مقبولة من المجتمع المسلم، فيتم الترويج لها دونما تمحيص لمخاطرها الخفية والمعلنة، ويتقبلها المجتمع دون إدراك لأبعاد ما يحمله المصطلح من معان. ومن ثم فإن فضح المصطلحات التي يروجها الغرب على شاكلة مفاهيم "الحداثة"، و"حرية المرأة"، و"الديموقراطية الليبيرالية" ، "العدالة المطلقة"، و"الشرعية الدولية"، "وتمكين المرأة"، "وتحرير المرأة" و"العنف ضد المرأة"، و"النوع"، و"منع أشكال التمييز"، وما شابهها من مقولات، ضرورة قصوى في ظل التدافع الفكري والصراع الأيديولوجي بين التيار الإسلامي وخصومه.

الليبرالية المستبدة:

سعى المجتمعات الغربية - التي تتبنى في معظمها الليبرالية كمنهج سياسي واجتماعي واقتصادي - فرض قرارات بالقوة من خلال الأمم المتحدة، على المجتمعات سواء الإسلامية وغير الإسلامية، والضغط والتهديد لقبول هذه المجتمعات لمثل هذه القرارات يتناقض مع أصول الليبرالية التي تعطي الحرية للشعوب في اختيار ما تراه مناسبا لها سياسيا واجتماعيا؛ لذلك كان الأولى أن تدعم الدول الغربية المقترح المصري بإمكانية السماح للدول بتفادي تنفيذ الإعلان، إذا تعارض مع القوانين الوطنية أو القيم الدينية أو الثقافية،  أي ترك حرية الاختيار للشعوب لتقرر نظامها الاجتماعي والقيمي، لكن دعاة الحريات في العالم رفضوا هذا المقترح؛ لأنه سيقضي على وصايتهم على المجتمعات والدول. ولو كانت الدول الغربية صادقة مع تدعيه من الدعوة للحرية وحقوق الإنسان، لتركت الشعوب تختار ما تشاء ما تراه مناسبا لها دون فرض أو وصاية، لكن الغرب أدمن منطق القوة والوصاية على الآخرين خلال تاريخه وما يرفعه من شعارات عن الحرية وحقوق الشعوب هي مجرد مساحيق زائفة لتجميل وجهه القبيح.

ثورات الربيع العربي:

بعد ثورات الربيع العربي وصعود التيار الإسلامي، اختلف رد الفعل الإسلامي هذه المرة على مثل هذه القرارات، إذ أصبحت هناك جهات حكومية ورسمية تحاول أن تقلل من شرور هذه القرارات، ولا تستجيب بشكل منبطح للإملاءات الغربية، وانتهت المفاوضات التي استمرت أسبوعين بين عدد من الدول الإسلامية والغرب، حيث تنازلت الدول الإسلامية التي كانت متحفظة على إدراج فقرة في الإعلان، تنص على أن العنف ضد النساء والبنات لا يمكن تبريره بأي "عادات أو تقاليد أو اعتبارات دينية". في المقابل قدمت الدول الغربية، وخصوصا البلدان الإسكندينافية التي كانت تدفع باتجاه تبني نص صارم، تنازلات في الفصل المتعلق بحقوق مثليي الجنس والحقوق الجنسية.

بل تجاوز الأمر ذلك بإعلان الأزهر أكبر المؤسسات الإسلامية الرسمية في العالم الإسلامي عن إعداده لوثيقة تكون بديلة عن وثائق الأمم المتحدة.

الغرب ينتحر:

إن الغرب بتبنيه ودعوته لمثل هذه القرارات المتطرفة يزيد من معاناة مجتمعاته ويعجل بنهاية حضارته، لطرح النسوي الغربي فشل في تحقيق أي سعادة حقيقية تذكر للمرأة، بل على العكس من ذلك زاد من حالة القلق والشقاوة التي ظلت تعاني منها المرأة الأوروبية لعقود، وتفاقمت الأوضاع الغير إنسانية التي تحياها المرأة في الغرب.

 تشير الكاتبة النسوية الشهيرة جرمين غرير Germaine Greer في آخر مؤلفاتها "المرأة الكاملة" إلى هذه الحقيقة قائلة: "إن حياة المرأة أصبحت أكثر صعوبة وليس العكس، وهو أمر يدعو للسخرية؛ لأن الثورة الجنسية التي ألهمتها ونفخت فيها الروح بأفكارها التي كانت ترفع شعار انتهاء زمن معاناة النساء، والتمرد على العلاقات غير السعيدة، ورفض إنجاب الأطفال حين لا ترغب هي بذلك، وكان يفترض مع تحقق هذه الأمور أن تنخفض نسبة القلق عند النساء لأجل الاستقلال الذي حققنه، والحرية التي تمتعن بها بعيدًا عن الزواج المستبد، إلا أن الأمر في الواقع يزداد سوءاً، فقبل ثلاثين سنة - قبل تطبيق أفكار الحركات النسوية في المدارس - لم يكن هناك تقارير عن "عدوى الهلع"، ولا فقدان الشهية، ولا التمثيل الذاتي بأعضاء الجسم، أما الآن فإن صور المعاناة النسوية تحيط بنا من كل مكان، وتتالى الدراسات التي تثبت أن المرأة أقل سعادة مما كانت عليه قبل ثلاثين سنة".

وتقول الأخصائية النفسية الدكتورة "مريام جروسمان" في  كتابها «أجيال في خطر.. الإباحية ليست حلا» :إن الحرية الجنسية للمرأة والرجل، وثقافة "كل شيء يجوز" هي قنابل تسقط آلاف الضحايا كل يوم في المجتمع الأمريكي، حتى امتلأت العيادات النفسية بالمرضى من الشباب والشابات، حيث تشير إلى دراسة أجريت عام 2005 أظهرت أنه في 90% من مراكز الاستشارات النفسية الجامعية ارتفع عدد الطلاب الذين يكتشف بعد الفحص إصابتهم بمشكلات نفسية خطيرة، وتضاعفت عدد الاستشارات النفسية، كما أن 91% من المراكز احتجزت طلابا بالمستشفى لأسباب نفسية، وأكثر من 36% من الطلاب حاولوا الانتحار مرة أو أكثر.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


بسام حسن المسلماني

ليسانس آداب (قسم تاريخ ) جامعة القاهرة 2004م.

بكالوريوس خدمة اجتماعية 1995م.

حاصل على معهد القراءات (مرحلة التجويد) 1997م.

*- كاتب ومحرر صحفي في موقع "لها أون لاين" والمشرف على محاور تقارير ودراسات وشاركوا بالرأي والاستطلاع والملف الشهري، من يناير 2008 وحتى الآن.

*- صحفي بمجلة سياحة وآثار سعودية.من ديسمبر 2010 وحتى الآن.

*- كاتب ومحرر صحفي بمجلة قراءات إفريقية.

*- نائب مدير تحرير موقع مجلة قراءات إفريقية.

*- إعداد وتقديم مواد إذاعية وحوارية في موقع "لها أون لاين".

*- صاحب مدونة "دفتر أحوال الأمة" (http://anns012.maktoobblog.com/)



الإصدارات:


- مراجعات قادة الجهاد.. السياق والمستقبل
http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/2007/11/25/55474.html

- الصومال .. وسيناريو الحرب المقبلة
- http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/Takrer-raisi/2006/12/28/26057.html

- مستقبل العلاقات الباكستانية الأمريكية .. بعد اغتيال بوتو
http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/2008/01/03/57621.html

- العسكر في تركيا .. هل ينقلبون على جول؟
http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/Takrer-raisi/2007/04/29/40651.html
- العلاقات المصرية الإيرانية إلى أين تسير..؟
http://www.islammemo.cc/Tahkikat/2007/12/28/57319.html

- مؤتمر”شرم الشيخ” .. واستباق الفشل
http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/Takrer-raisi/2007/05/03/41178.html

- الإسلاميون داخل فلسطين 48.. موقف خاص من الانتخابات
http://www.islammemo.cc/2006/03/25/2525.html

- الأحزاب العربية داخل فلسطين 48 .. ورهاناتها الانتخابية
http://www.islammemo.cc/2006/03/25/2523.html

- أزمة الحجاب في تونس.. مقاربة تاريخية
http://www.lahaonline.com/articles/view/14327.htm

- الصحفية "إيفون ريدلي".... أسيرة طالبان التي أصبحت داعية للإسلام
http://www.lahaonline.com/articles/view/15619.htm

- المرأة المسلمة النيجيرية.. عقبات ونجاح
http://www.lahaonline.com/articles/view/15784.htm

- الشخصية الصوفية
http://www.alsoufia.com/rtb_uploaded_images/magazine_9.pdf

- بين الثورة المصرية وثورة الاتصالات ... وطن جديد
http://www.lahaonline.com/articles/view/37717.htm

- الثورة السورية .. وازدواجية المواقف
http://www.lahaonline.com/articles/view/38308.htm


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...