زبيدة بنت جعفر.. ساقية الحجـيج!

وجوه وأعلام
20 - ربيع أول - 1424 هـ| 22 - مايو - 2003


كانت الفرحة شديدة وتلك الجموع تشهد ذاك العُرْس الـمهيب! ولم تعهد تلك الجموع عُرْساً مثل ذاك العُرْس.. فترى الدنانير والدراهم تنثر على تلك الجموع بغير حساب! وترى المسك وثياب الوشى المنسوجة تتخاطفها أيدي تلك الجموع! حقاً! لقد كان ذاك العُرْس أعجوبة من الأعاجيب!

ولقد كان العروسان أسعد من تلك الجموع.. وأعظم بهجة بالتلاقي! ذاك عُرْس كان أحلى ما فيه؛ أنَّه جمع بين بحرين في الجود.. ونجمين للسَّارين! الزَّوج: سليل الـمكارم.. وحفيد الشَّرف التَّليد.. هارون الرشيد.. بدر الخلافة العباسية! وعُرْسه: كريمة العنصر.. ودُرَّة نساء بني العباس.. وأصيلة الرَّأي.. زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر الـمنصور.. فرعان ناضران من فروع تلك الدوحة الباسقة.. والشجرة الرَّيَّانة بـماء الـمكارم.. وطِيب الفضائل!

لقد اختار هارون الرَّشيد عروسه بعد أن خَبِر شمائلها.. وأبصر فضائلها.. ولم تكن زبيدة بتلك الـمرأة ضعيفة الرَّأي.. واهنة الـهمَّة؛ بل كانت المتزيِّنة برفيع الخصال.. بعد زينة الحسب.. والـمتجمِّلة بجميل الـخُلُق.. بعد جمال الـخَلْق..  تأدبت بأدب الدين.. وشَبَّت على سُنن الصَّالحين.. ولقد كانت ربَّة ذاك القصر الكبير.. وسيدته الآمرة والنَّاهية.

وأعجب لهذه النجيبة.. لم تنشغل ببحبوحة ذاك القصر.. بل كانت فيه السيدة الصالحة.. الـمتزوِّدة ليوم معادها.. فهي التَّالية لكتاب ربّها تعالى في صباحها ومسائها.. حتى كان قصرها محطاً لنفحات القرآن الزَّاكية!

كان لزبيدة مئة جارية يحفظن القرآن! ووِرْد كلّ واحدة منهنَّ عُشْر القرآن.. فكان قصر هذه السيدة؛ يُسمع منه كدّويّ النَّحل.. لقراءة القرآن! حقاً إنَّه لا أعلى همَّة ممن صدف عن اللَّهو وهو قادر أن يلهُو! ولا أعلى همَّة ممن وَلِعَ بحبّ العزائم.. وترك الشهوات مع حبّ النفس لها!

ولقد كانت هذه الـمصُونة سخيَّةً.. محبّةً للنَّدى.. شديدة الكرم.. لا تردّ حاجة وإن عظُمت.. وإليك هذه الآبدة من لطيف كرم هذه السيدة النجيبة.. لتقف على السماحة والندى.. حبس وكيلها ذات مرّة رجلاً كان يشرف على ضياعها، وجب عليه مائتا ألف درهم.. فكتب المحبوس إلى صديقين له يسألهما سؤال الوكيل في أمره، فخرج الرجلان إلى الوكيل، فلقيهما الفيض بن أبي صالح..

فقال : إلى أين؟

فقالا: نمضي إلى كذا وكذا.

فقال: أتحتاجان أن أساعدكما؟

قالا : نعم.

فمضى معهما وكتب الوكيل إلى زبيدة يخبرها بالحال.

فقالت: لا سبيل إلى إطلاقه حتى يؤدي ما عليه.

فأراد الرجلان الانصراف..

فقال لهما الفيض: كأننا إنما جئنا لنؤكّد حبس الرجل!

فقالا : وماذا نصنع إذن؟!

قال : نؤدي عنه الـمال، ونخرجه من الحبس، ونكشف عنه ضائقته.

ثم إنَّ الفيض أخذ الدواة وكتب إلى وكيله في حمل الـمال عن الرجل! ثم دفع الكتاب إلى وكيل زبيدة وقال: قد أزحنا علّتك في الـمال، فادفع إلينا صاحبنا. فكتب وكيل زبيدة يخبرها بما حدث.

فلما وصل الكتاب إلى زبيدة، أخذتها أريحية النَّدى، ولم تشأ أن ترى الفيض أكرم منها يداً.. فوقَّعت على ظهر الرّقعة: (نحن أولى بهذه الـمكْرُمة من الفيض، فأردد إليه حظّه وسلِّم إليه الرجل)!

وهكذا بكلمتين من قلمها.. سمحت نفس هذه الكريمة بمائتي ألف درهم! فلله درُّك أيتها الـماجدة! وهل الكرم إلاَّ هذا؟! تلك أريحية امرأة شربت من معين الـمكارم.. وغُذِيَتْ بلِبان الفضائل! وأي عجب في ذلك؟! أليست هي المنفقة في ستين يوماً أربعة وخمسين ألف ألف دينار؟!

ولـما رفع إليها وكيلها حساب النفقة مستعظماً لها؛ أنَّبته تأنيب اللَّبيبة.. وزجرته زجر الـمرأة الحصيفة..

فقالت له : ثواب الله بغير حساب!

فلله درُّك أم جعفر! سليلة الأماجد.. وحفيدة الأشاوش من بني العباس! كرمٌ لم يعرفه إلاَّ السُّمَحاء.. ولم تَـجُـدْ به إلاَّ نفوس الكُرَماء.. وكانت هذه النَّجيبة إذا حجَّت .. أنعشت الـملهُوف.. وجبرت الضَّعيف.. وجادت بالنَّفيس والطريف.. فكانت لحجاج بيت الله سحاباً دافقاً.. وربيعاً نافعاً.. لا تزال تعطي الجزيل منذ خروجها من بغداد.. إلى وصولها بيت الله الحرام! وما تقطع مرحلة إلاَّ وتأمر بحفر بئر.. أو بناء الـمرافق للقاصدين بيت الله الحرام..

ولـما رأت – رحمها الله – ما يعانيه أهل مكة وحجاج بيت الله الحرام من قلة الـمياه.. عزمت عزم الـمرأة الحازمة.. أن تكون حائزة شرف سقاية حجاج بيت الله الحرام.. وسمت همتها إلى بذل الطريف والتليد في تحقيق هذه الأمنية.. فدعت خازنها وأوعزت إليه بأن يأتي بأهل الصِّنْعة ليشقوا قناة من وسط الجبال، حتى يصلوا بها إلى وسط مكة! فأحضر الخازن أهل الصِّنْعة في ذلك، وبدأ العمل، ولم يكن بالعمل السّهل، حيث شقّت تلك القناة الجبال والصخور مسافة عشرة أميال!

ولـما جاءها خازنها وقال لها: يلزمك نفقة كبيرة! أجابت جواب أهل الحزم: اعملها ولو كانت ضربة فأس بدينار!!

وشاء الله تعالى أن يـحقّق لـهذه الـمصُونة أمنيتها.. فتدفَّقت تلك القناة على أهل مكة وقاصدي بيت الله الحرام.. فارتوى النَّاس بعد الظمأ.. وأخصبوا بعد الجَدْب! فكانت تلك حسنة زبيدة العظمى.. ومنقبتها الكبرى! فكم من ألسنةٍ بالدّعاء لصاحبتها لهجَتْ.. وكم من أكُفٍّ رُفِعَتْ!

ألفا ألف دينار صبّتها هذه الصالحة في حفر هذه القناة! فما أكرم هذه الحسنة! وتالله تلك هي التجارة الرَّابحة! تلك همة امرأة لم تر الذُّخْر إلاَّ في اصطناع الـمعروف.. وإدمان الصَّالحات.. وحبّ الطاعات.

وبعد اكتمال هذا العمل الجليل، جاء وكيلها وأحضر معه العمال لكي يكتبوا الحساب أمامها.. فقالت لهم : خلُّوا الحساب إلى يوم الحساب!! ثم أمرت بغسل الدفاتر والأوراق!

فهنيئاً لك أم جعفر بهذا الشرف الخالد.. أبيْتِ إلاَّ عزماً.. وهمَّة! إنَّها التجارة مع الله تعالى! تجارةٌ لا تعرف الخسارة! ذاك هو الذُّخْر الخالد.. والرّبح الباقي!

وزبيدة هي أمّ الأمين بن هارون الرَّشيد، والذي ولِي الخلافة بعد أبيه هارون الرشيد.. وقد نشأ الأمين في حضن هذه السيدة النجيبة.. فتربَّى على الأدب السامي.. والسَّمْت الرَّفيع.. فكان نجيباً.. سيداً.. عظيماً.

ولـما آلت إليه الخلافة خلع أخاه الـمأمون من ولاية العهد، فخلعه أخوه الـمأمون، واشتعلت نار الحرب بين الأخوين! فأين كان موقع تلك السيدة يومها من هذه الأحداث؟

لقد كانت زبيدة ـ رحمها الله ـ تلك الـمرأة الحازمة.. اللبيبة.. فها هي تُوصي علي بن عيسى بن ماهان قائد ابنها الأمين.. وكانت الوصية وصية امرأة حكيمة.. نجيبة الرأي.. وها هو ابن ماهان.. يقف عند باب هذه السيدة.. مستمعاً لنُصْحها..

فقالت له – رحمها الله ـ : (يا عليّ إنّ أمير الـمؤمنين وإنْ كان ولدي، وإليه انتهت شفقتي، فإني على عبد الله – أي الـمأمون – منعطفة مشفقة؛ لـما يحدث عليه من مكروه وأذى، وإنـما ابني ملك نافس أخاه في سلطانه، وغارَّه على ما في يده، والكريم يأكل لحمه، ويميقه غيره، فاعرف لعبد الله حقّ ولادته وأخوَّته، ولا تجبهه بالكلام، فإنَّك لست له بنظير، ولا تقتسره اقتسار العبيد، ولا توهنه بقيد ولا غلّ، ولا تمنع عنه جارية ولا خادماً، ولا تعنِّف عليه في السَّير، ولا تساوه في المسير، ولا تركب قبله، وخذ بركابه، وإن شتمك فاحتمل منه)! ثم دفعت إليه بقيد من فضَّة.. وقالت له: إن صار إليك فقيِّده بهذا القَيْد.

فقال لها : سأفعل مثلما أمرتِ.

فتأمل همَّة هذه الـمصُونة.. لم يثْنها حبّ الولد عن قول الحق.. والإنصاف في القول والفعل! هكذا يكون السُّؤدد والشَّرف!

ولكن رياح الأحداث انقلبت، فانهزم ابن ماهان وقُتل، وحاصر الـمأمون بغداد، ثم كان بعدها قتل الأمين.. ابن تلك السيدة زبيدة بنت جعفر.. فقدت تلك السيدة وحيدها.. وفلذة كبدها.. ودخل قلبها ما يدخل قلب كلّ أمّ! وحزنت.. وكيف لا تحزن؟! وابنها الأمين كان عظيم النَّفس.. شهماً.. فريداً في طرازه! حُزْنان لزما قلب هذه السيدة؛ فَقْد الولد.. وفَقْد الشَّهامة!

ولكن زبيدة – رحمها الله – وهي العاقلة.. اللَّبيبة.. دفعت حرّ الـمصيبة بصبر الحُرَّة.. الـمُوقنة بالخَـلَف.. الرَّاجية للثواب الباقي.. فلم تجزع جزع الضَّعيف.. بل أبدت من الصبر والـجَلَد ما حيَّر الألباب!

فـها هو الـمأمـون يدخل عليـها بعد دخوله بغداد.. وهو يظن أن الحزن قد هدَّها بعد مقتل ابنها.. ولكنها قالت له بجنان ثابت: (أهنيك بخلافة قد هنأت نفسي بها عنك، قبل أن أراك! ولئن كنتُ قد فقدت ابنا خليفة لقد عُوِّضتُ ابنا خليفة لم ألِدْهُ! وما خسر من اعتاض مثلك، ولا ثكلت أمّ ملأت يدها منك! وأنا اسأل الله أجراً على ما أخذ، وامتناناً بـما عوَّض)!

ليت النساء يتعلَّمْنَ منك تلك الـمكارم الرَّفيعة.. ويحتذين تلك الـمفاخر السَّنِيَّة.. فتأمَّلي يا أمَةَ الله في مفاخر واحدة من بنات جنسك.. لم يقعدها عن الـمكارم ضعف النساء.. ولا حبّ الدَّعَة!.

وفي مشهد آخر لتلك الحرة الـمصُونة.. أخضعت فيه القلوب لفضلها.. فهي مذعنة لـها بشرف الـمنزلة.. ونُبْل الفِعَال! دخلت على الـمأمون في مرَّة من الـمَّرات..

فقالت له:(الحمد لله الذي ادخرك لي لـما أثكلني ولدي! ما ثكلت ولداً كنت لي عوضاً منه)!

فلما خرجت.. قال الـمأمون لأحمد بن أبي خالد:(ما ظننت أن نساء جُبِلْن على مثل هذا الصَّبر)! حقاً! لقد حيَّرت هذه الـمصُونة بصبرها كلّ لبيب؛ حتى غدت بصبرها ذاك النموذج الفريد! وحريٌّ بكل مُصاب أن يقف عند عتبات هذه الـمدرسة الفريدة في الصَّبر، وحُسْن العزاء!

عاشت زبيدة ـ رحمها الله ـ أيامها عاكفة على الطاعات.. ومغتنمة للقربات.. وغدت تقدِّم بين يديها أغلى ذُخْر؛ ليوم لا تنفع فيه سوى الحسنات الباقية!

وفي شهر جمادى الأولى من سنة 216 للهجرة ودَّعت الدنيا السَّيدة الـمصُونة.. والدُّرّة الـمكنُونة.. ساقية الحجيج.. وربيع الـملهوفين.. والصَّابرة اللَّبيبة.. الصَّالحة النَّجيبة.. أمّ جعفر زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر الـمنصور.. لتُطوى صحيفة أنصع من مُزْن السَّحاب! وأنضر من التِّـبْر الـمسبُوك!

وإن ودَّعت الدنيا فقد بقيت آثارها.. شاهدة بفضلها الجزيل.. ومقامها الزَّاكي النَّبيل.. مع دعاء الخلائق لها إذا قصدوا تلك الأركان الطاهرات.. ولبّوا بالحج في تلك الأيام الزَّاكيات.. فأنزل الله تعالى زبيدة منازل السُّعداء.. وأكرم نُزُلها في دار الحُبُور والـهَنَاء..

  



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- anda -

23 - محرم - 1433 هـ| 19 - ديسمبر - 2011




نساء لم يستطيع ان ينجب التاريخ مثلهن الى الان...و كسائر الامهات المؤمنات الصابرات المحتكمات لامر الله العظيم ..رحمهن الله جميعا واثابهن الفردوس آمين.
لا يوجد تعليق هنا ..لو كان العنوان هيفاء وهبي تسقي فلان الكأس لدخل الملايين يردون ان يروا هذا الفلان من هو فيا بخته هيفا الهايفة التي تسثيه السم الهاري؟؟؟ عجبي عليكم

-- -

28 - جمادى الآخرة - 1433 هـ| 20 - مايو - 2012




رحم الله ساقية الحجيج اين نحن منك يا سليلة ال هاشم

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...