فاطمة بنت الحرازي وجهودها في نشر الحديث

وجوه وأعلام
13 - ربيع أول - 1424 هـ| 15 - مايو - 2003


فأبوها "أحمد شهاب الدين"، ولد سنة 675هـ بحراز، وقدم إلى مكة فاستوطنها، وأخذ بها العلم عن عدد من شيوخها والواردين إليها، وسمع كثيراً من كتب السنة بها بالمدينة المنورة، وكانت له معرفة تامة بالفقه، حتى صار شيخ مكة المكرمة، والمعتمد عليه في الفتوى بها، فلقب بـ"مفتي مكة المكرمة"، وكان رجلاً صالحاً خيراً، سمع عليه الحافظان زين الدين العراقي، ونور الدين الهيثمي، وأخذ عنه برهان الدين الأبناسي.

تزوج شهاب الدين من أسرة الطبري، وهي أسرة عريقة في العلم، كان أبناؤها يتوارثون مناصب إمامة مقام الشافعية بالمسجد الحرام، وخطابته وقضاء مكة المكرمة لعدة قرون.

تزوج شهاب الدين بـ"بنت" محدث مكة المكرمة، رضي الدين الطبري، وكان لها سماع للحديث، وأجازت للزين العراقي، وماتت سنة 757هـ بعد أن خلَّفت عدداً من الإناث منهم فاطمة، وأربعة من الذكور.

كان من الطبيعي أن يربي الشيخ شهاب الدين أبناءه على حب العلم بعد أن ناسب أسرة علمية عريقة، فاعتنى بهم منذ الصغر. وسط هذا الجو العلمي نشأت السيدة فاطمة وتربت.

تحملت فاطمة علم الحديث بطريقي السماع والإجازة عن عدد من محدثي مكة المكرمة وغيرهم، والغريب أنَّ المصادر لم تذكر والدها في عدد شيوخها، وإني أستبعد ألا تكون قد سمعت شيئاً من الحديث أو الفقه عليه، وقد كان حريصاً على تنشئة أبنائه تنشئة علمية، والعناية بهم.

سمعت فاطمة من جدها لأمها إمام المقام، رضي الدين، إبراهيم بن محمد الطبري (636ـ722هـ) الكتب الستة خلا سنن ابن ماجه، وصحيح ابن حبان، والملخص في الحديث لأبي الحسن القابسي، والأجزاء الثقفيات، والجزء السادس من المحامليات، وما في حديث سعدان بن نصر المخرمي، وكتاب الشمائل النبوية للترمذي، والأربعين المختارة في الحج والزيارة لابن مُسدي، وجزء ابن نجيد، وجزء مطين، وسداسيات الرازي، ونسخة بكار بن قتيبة، وغير ذلك.

وحضرت على أخيه صفي الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم الطبري (633ـ714هـ)، وأجاز لها من مكة كل من: المحدث فخر الدين عثمان بن محمَّد بن عثمان التوزري نزيل مكة (630 ـ 713هـ)، والشيخ المسند أبي بكر، شهاب الدين، أحمد بن محمَّد بن القاسم الكردي الدَّشْتي (634ـ713هـ) ومقرئ مكة المكرمة، عفيف الدين، عبدالله بن عبدالحق الدِّلاصي (630ـ721هـ) ومسند الوقت، أبومحمد، شرف الدين، عيسى بن عبدالرحمن بن المطعِّم الصالحي (625ـ719هـ).

قامت السيدة فاطمة بأداء ما تحمَّلته؛ فبذلته لأهله الراغبين فيه، من طلبة الحديث، وكثر السامعون عليها، والمستجيرون منها لا سيما بعد أن عُمِّرت وصارت مسندة مكة المكرَّمة.

ولم تقتصر جهودها في نشر الحديث على بلدها فقط؛ إذ حدثت أيضاً بالمدينة المنورة التي كانت تزورها مراراً.

وأخذ عن فاطمة عدد من الأعيان من شيوخ تقي الدين الفاسي وغيرهم، ومن أبرز الآخذين عنها: ابن سُكّر، وأبوزرعة العراقي، والتقى الفارسي، والقاضي ابن الطرابلسي.

ويلاحظ من خلال عرض تلامذتها أنَّ منهم عدداً من أقاربها، مثل أحفادها، أو بنات أخيها، وأنَّ أكثر الآخذين عنها من البلد الحرام.

ومن جهودها في نشر الحديث تربية أبنائها على طلبه، فقد تزوجت فاطمة من محمد بن يوسف الزرندي (693ـ نحو748هـ) وهو ممَّن له اشتغال بالعلم، وأنجبت منه عبداللطيف الذي اشتغل بطلب الحديث، وسمع على الجمال المطري بالمدينة المنورة ثلاثيات البخاري وغيره، وتوفى سنة 817هـ.

ولها ابن آخر يسمى عبداللطيف أيضاً، اشتغل بالعلم قليلاً، ولم تعرف سنة وفاته. ولها أيضاً بنت اسمها أم كلثوم (793هـ) تزوجت من محمد بن عبدالكريم بن ظهيرة، وأنجبت منه ابنتيها أم الحسين، وأم الخير.

وقد قامت حفيدتها أم الحسين وزوجها ظهيره بن حسين بن علي القرشي الحنفي (745ـ891هـ) بخدمة جدتها عرفاناً بحقها.

ثم تزوجت فاطمة أيضاً من شهاب الدين أحمد بن محمد بن محمد الطبري قاضي مكة (703ـ760هـ) المحدث بالمدرسة المجاهدية والمدرسة المنصورية بمكة، وأنجبت منه ولدها نجم الدين محمَّد (765هـ) الذي خلف أباه في التدريس بالمدرستين المذكورتين، وكان له اشتغال بالحديث الشريف.

وأستبعد أن لا يكون هؤلاء قد سمعوا منها أو أجازتهم ـ وإن لم تذكر المصادر ذلك ـ مع وجود حرصهم على طلب العلم، وانتقاء ما يمنع أخذهم عنها.

انتقلت فاطمة إلى رحمة الله تعالى خلال إحدى زياراتها ومجاوراتها في المدينة المنورة، وذلك في الخامس من شوال لعام 783هـ، عن ثلاث وسبعين سنة قضتها في طاعة ربها، وتربية ذريتها على طلب العلم وتبليغه. وقد أثنى عليها كل من ترجم لها. ووصفوها بالخير والصلاح.

وصفها تلميذها أبوزرعة بقوله: "عمرت وصارت مسندة مكة، وهي من أهل الخير والدين والصلاح، وأكثرت من السماع". ووصفها تلميذها تقي الدين الفاسي بمسندة مكة، ووصفها ابن العماد الحنبلي بالخير والصلاح، ووصفها كحالة بالمحدثة.  رحمها الله تعالى رحمة واسعة.



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- رشاد السيروان - سوريا

02 - صفر - 1435 هـ| 06 - ديسمبر - 2013




نسأل الله أن تكون بيوتاتنا بيوتات علم، وأن يتقبلنا في طلبة العلم، نحن وأهلنا. {ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً}

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...