قراءة في التجربة الشعرية للطفولة عند " شبلول"

أدب وفن » آراء وقراءات
07 - ذو القعدة - 1423 هـ| 09 - يناير - 2003


يطمح شعر الطفولة الإسلامي أن يقدم للطفل عالماً من المثل والقيم يرتاده الطفل المسلم، ويتمثله، ويحافظ عليه، ويتوسل الشاعر إلى ذلك من خلال تقديم عالم المرئيات المحيط بالطفل، حيث يجعل للسواكن روحا شفافة، تشارك الطفل حياته ولعبه، كما تشاركه الحديث والإصغاء.

ومن خلال الكلمات التي تناسب عمر الطفل الذي يقدم إليه الشاعر تجربته يتشكل خيال الطفل، والشعر الإسلامي الجيد، الذي يكتبه شاعر ملتزم، هو الذي يمتلك خاصية التأثير الإيجابي في الطفل والسير به إلى عالم جميل أفضل، توجهه قيم الإسلام، ومثله العليا.

وسنتوقف هنا أمام تجربة "أحمد فضل شبلول" الشعرية للطفولة التي صاغها في عدة قصائد، منها: الباب، الأشجار، المآذن، الكتاب، المسجد، و... غيرها.

ومن الملاحظ على هذه المجموعة أنها تتناول الأشياء المحيطة بالطفل التي يعرفها وينجذب إليها، ويراها خلال تعامله اليومي مع الأشياء التي تحيط به: الباب، والأشجار، والمآذن، والكتاب، والمسجد … وغيرها.

وقد اخترنا قصيدتين من هذه المجموعة لنتناولهما هنا، وهما قصيدتا: الأشجار، والباب، وهما ليستا أفضل ما كتب للطفولة، وإنما هما نموذجان لما يكتب، وما ينطبق عليهما ينطبق ـ غالبا ـ على تجاربه الأخرى.

    أشجار تقف الآن على بابي

    تمنحني اللون الأخضر

    وأشم هواها الأعطر

    أسقيها الماء الأوفر

    تنمو، تترعرع، تكبر

فهو هنا يبدأ بالوصف الحسي الذي يراه الطفل ويعايشه، ولكنه يقدم ذلك من خلال لغة سهلة تتوسل بالفعل المضارع الذي يشف عن الحركة ـ رغم الثبات الظاهري للشجرة ـ فنرى الأفعال (تنمحي، تنمو، تترعرع، تكبر) ويجعل منها كائنا حيا (تقف) ويمنحها صفات الأم (تمنحني) وهو بهذا يشارك الطفل خياله الذي يشخص الأشياء، ويمنحها صفات إنسانية.

ثم يبين فائدة هذه الأشجار، فهي تحمي من الرياح المتربة، وتعطينا الأوراق والثمار:

    لو جاء تراب ممطر

    تحميني بسياج مزهر

    تعطيني مما أعطاها الله

    من ورق أو غصن مثمر

وكلمة "سياج" في البيت الثاني ستنغلق على الطفل، وسيحاول أن "يخمن" معناها، ولعل الشاعر في قصائده المقبلة يتجنب الكلمات غير المناسبة لإدراك الطفل، فالنقاد يؤكدون على "أهمية اختيار الألفاظ المناسبة لسن الطفل الذي نكتب له، فاللغة ذات الألفاظ الصعبة أو الغريبة التي لا يفهمها الطفل تعوق عملية التلقي والفهم والعيش في قالب الحدث، كما تعطل انسيابية التمثل والتخيل".

والقصيدة عند "أحمد فضل شبلول" تقوم على هدف تعليمي، فهو من خلال الشعر يعرف الطفل على بعض أنواع الشجر المزروعة التي يراها في واقعه المحيط به، ثم ينتقل إلى أنواع أخرى من الأشجار، فيتكلم مثلا عن "شجرة النسب" أو شجرة العائلة، وهو بهذا ينتقل بالطفل من المحسوس إلى التصوير والخيال، وبهذا يفتح الباب أمام مخيلة الطفل للتمثيل والفهم والوعي بما يحيط به، والربط بين هذا كله لتصير الحياة من حوله منظومة متكاملة:

توجد أشجار الأنساب

فيها أسماء الأحباب

هذا جدي من أشجار الدهر

هذا عمي من أشجار الخير

هذا خالي من أشجار الفل

وفي قصيدته ـ بعد ذلك ـ نستطيع أن نرى ما أشار إليه القرآن الكريم من أشجار: كالشجرة التي أكل منها آدم وزوجه، فأخرجا من الجنة، والأشجار التي تسجد للرحمن، والشجرة التي تنبت في طور سيناء، والشجرة الملعونة، وشجرة الزقوم... كما لا ينسي الشاعر أن يشير إلى أن "صلح الحديبية" كان تحت "شجرة". وبهذا يتحول الشعر الموجه إلى الطفل عند "أحمد فضل شبلول" في الوقت نفسه إلى مصدر متعة وسعادة؛ لما يجتمع فيه من حلاوة الإيقاع ورشاقة التعبير وجاذبية الصورة، وبما يثيره من أخيلة". وهي كلها أشياء مطلوبة في الشعر الموجه للأطفال.

وفي قصيدة "الباب" نراه يبدأ بالمدركات الحسية للطفل تجاه الباب من فتح وإغلاق ودخول وخروج؛ لينطلق إلى دلالات معنوية، يريد للطفل أن يتمثلها وينشأ عليها:

أدخل من هذا الباب

أخرج من ذاك الباب

أفتح بابي للأصحاب وللأحباب

أغلقه في وجه الإنسان الكذَّاب

أفتحه للأحلام وللآمال وللألباب

أغلقه في وجه اليأس

ووجه الخوف

ووجه المرتاب

فهو يفتح بابه للأصحاب وللأحباب وللأحلام الجميلة وللآمال العذبة البيضاء، وللآمال المتفتحة والعقول النيرة، ويغلقه في وجه الكذاب والمرتاب، كما يغلقه في وجه المعاني القبيحة كاليأس والخوف.

ومن التضاد بين الفتح والإغلاق والدخول والخروج، ومن عطف الإنساني (المرتاب) على المعنوي (اليأس والخوف) نشعر أنه "يؤنسن" الأشياء الجميلة (كالأحلام والآمال والألباب) والقبيحة (كاليأس والخوف) ليجعلها أشد قوة وتأثيرا في مخيلة الطفل، وإذا كان لليأس وجه وللخوف وجه، فإنا سنغلق "باب" القلب أمام وجهيهما القبيحين.

سيتأمل الطفل بعد ذلك باب البيت، وسيرى أنه مصنوع من الخشب، بيد أن الشاعر "يؤنسن" هذا الباب، فيجعل منه إنسانا يحركه الشوق إلى الداخلين والخارجين، فيحدق في الداخل والخارج، وكأنه شاهد على ما في البيت:

الباب

مصنوع من أخشاب

مطلي بالأشواق

ويعيش على الأعتاب

ويحدق في الداخل والخارج

ثم ينتقل الشاعر بعد ذلك ليعرف الطفل على أبواب الكتاب، وبعض معالم جغرافيتنا "باب المندب" وبعض الأبواب الأخرى: كباب الكعبة، وأبواب الحرمين ... وغيرهما. ثم ينهي قصيدته الجميلة بهذا الابتهال:

يا ألله

يا فاتح أبواب الرزق

يا فاتح أبواب الجنة

أبعدنا عن أبواب النار

أدخلنا من باب المسجد

لنصلي، نركع، نسجد

أدخلنا مجتمعين

لا مفترقين

ومن استعراض هاتين القصيدتين لـ "أحمد فضل شبلول" نرى أنه رغم تناوله بعض المدركات الحسية للطفل (كالشجرة والباب) فإنه يحرص على اللغة الشعرية (لفظة وعبارة وصورة) وأنه يبتعد عن التعقيدات البلاغية والبيانية ليقدم الأفكار والمعاني في سهولة ويسر. وأنه يقدم شعره من خلال موسيقى الخبب (التي هي إحدى صيغ بحر المتدارك) وهي ذات إيقاع عال، يجذب الطفل إليه.

ومن الملاحظ عليه في هذه المجموعة أنه يتناول فيها ما يمكن أن نسميه "الشعر المناسب للأطفال" وهو الشعر الذي "يساعدهم في تنمية أذواقهم وإثراء مداركهم، والمساهمة في تأكيد القيم التي يجب أن يتحلوا بها، ويمدهم بخبرات جديدة متنوعة".

وهو في هذه القصائد التي توجه للأطفال يحقق ما يطالب به النقاد من أن أدب الطفل "يجب أن يحقق أمرين: أولهما: مساعدة الطفل على وعي معنى الحياة، وثانيهما: مساعدته على وعي ذاته وعلاقته بالآخرين".

إن قصائد "أحمد فضل شبلول" للأطفال إضافة جادة لأدب الطفل المسلم، الذي يفتقر إلى الإبداعات الشعرية الراقية من شعراء ملتزمين بالإسلام، ويعرفون ما للطفل عليهم من حقوق، ويمتلكون ـ قبل ذلك ـ الرؤية والأداة.



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *: لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...