في تربية اليتيم: كيف نتوازن؟ لها أون لاين - موقع المرأة العربية

في تربية اليتيم: كيف نتوازن؟

دعوة وتربية » نوافذ
13 - جمادى الآخرة - 1439 هـ| 01 - مارس - 2018


1

ثمة فارق لطيف بين الرحمة العامة باليتيم، وحسن القيام على تربيته وتأديبه، قد لا يلحظه المربي في خضم مشاعر العطف الهائلة التي يحملها تجاه الطفل اليتيم، تحدوها آيات القرآن الكريم ترغيباً في رعايته، "وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا، إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا"(الإنسان:8،9)، وترهيباً من أذاه في نفسه: "فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ"(الضحى:8)، أو في ماله عند الوصاية عليه: "إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا"(النساء:8).

كما جاءت السنة النبوية الشريفة مبشرةً كافل اليتيم بألوان من الأجر والمكانة لا يبلغها غيره، عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا"، وأشار بالسبَّابة والوسطى، وفرَّج بينهما شيئًا" أخرجه البخاري، وعن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالمِسْكِينِ، كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوِ القَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ"(متفق عليه، وهذا لفظ البخاري).

ويتأكد الأمر لو كان هذا اليتيم هو ابنٌ فَقَدَ أباه، وتقوم الأم على رعايته، فتظن في أثناء رحلة التربية الطويلة أن تأديبها له ومعاقبته إذا لزم الأمر، أو إلزامه بالضوابط الدينية والخُلقية من قهره الذي نهى الله تعالى عنه!

والحق بخلاف ذلك؛ فالتساهل في تربية اليتيم، والإسراف في تدليله: هو الجناية الحقيقية عليه، فبسببه ينشأ ضعيف الشخصية لا يدرك معنى المسؤولية، أو ينجرف في أودية الانحراف المختلفة. إذن لابد من الاعتدال والتوازن في أساليب التربية مع الابن اليتيم.

 

أسعد الناس من أكرمه الله بتربية اليتيم

إنَّ من عظيم رحمة الله تعالى وعدله: ما أولاه لليتيم من حقوق على المجتمع المسلم بأسره، "وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ، وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"(البقرة: 220)، والحكمة من أن الله سبحانه وتعالى قد أباح مخالطة اليتامى وإيوائهم هو أن ينشأ الطفل بين أناس يتعاملون معه بشكل طبيعي، ويشعر بينهم بحياة طبيعية لا تختلف عن أقرانه، فينشأ الطفل متوازنا نفسياً، ومتوافقا مع نفسه، ومع المجتمع الذي يعيش فيه.

ومن ذلك أيضاً ما منحه الله تعالى من المكانة السامقة والأجر الكبير الذي تميزت به (أم اليتيم) التي إذا ترملت؛ عزفت عن الزواج، رغم امتلاكها لمؤهلاته، إيثاراً لمصلحة أبنائها الأيتام، وتفرغاً لتربيتهم ورعايتهم، تلك الدرجة العالية التي لا يشاركها فيها أحد، عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أنا أول من يفتح له باب الجنة, إلا أن امرأة تبادرني فأقول لها: ما لك أو ما أنت؟ فتقول: أنا امرأة قعدت على أيتامي"(رواه أبو يعلى في مسنده (6651)، وغيره وحسنه محقق المسند، حسين أسد).

وهذه المكانة العالية ليست فقط لأن الأم تركت الزواج، وقعدت على أيتامها، ولكن تمام الأجر، إنما يكون بحسن رعايتها لهؤلاء الأيتام، وإدراكها أنها تضطلع بمهام الأب بهيبته الضابطة، وحنانه الحازم، وشخصيته القوية التي تمثل لهم مصدر الأمن النفسي، والقدوة التي يقتفون أثرها. ودور الأم معاً، وما يقتضيه من رحمة وشفقة وحسن الرعاية لشؤونهم.

 

هل تأديب اليتيم يُعدُّ من قهره؟

إن طبيعة التربية والتقويم للأبناء تتطلب ـ ولابد ـ من المربي أن يستخدم الثواب والعقاب، وأن يكون هناك نظام ضابط للبيئة الأسرية التي يتربى في أحضانها الطفل؛ مما يعني أن هناك أموراً مسموحاً بها وأخرى ممنوعة، وهناك خطوط حمراء من ثوابت الدين والخلق، يجب على الطفل ألا يتخطاها.

ولعل هذا الخاطر ورد على ذهن بعض السلف ـ رضي الله عنهم ـ فذهبوا يسألون عن تأديب اليتيم، أورد الإمام عبد الرزاق في المصنف: أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ـ: سُئلت عن أدب اليتيم؟ فقالت: "إني لأضرب أحدهم حتى ينبسط."، وسأل رجلٌ سعيد بن المسيب: مم يضرب الرجل يتيمه؟ قال: "مم يضرب الرجل ولده".

وأما خوف الأم أو من يلي تربية اليتيم من آيات الوعيد، فهي محمولة على ظلم اليتيم في نفسه أو ماله، فأما قول الله تعالى: "أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ، فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ"(الماعون:1،2)، فإنما ورد في سياق وصف الكافر الذي لا يؤمن بيوم الحساب، وذكرته الآية الكريمة بوصفين: أحدهما: من باب الأفعال وهو قوله: "فذلك الذي يدع اليتيم" والثاني: من باب التروك، وهو قوله: "ولا يحض على طعام المسكين" الواضحة أنه يقسو على اليتيم ويدفعه بلا رحمة، ومعنى "يدُعُّ اليتيم": أي هو الذي يقهر اليتيم ويظلمه حقه، ولا يطعمه ولا يحسن إليه. (الحافظ ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، ج8/ص:493).

 فتأديب اليتيم: ليس من قهره الذي نهى الله عنه في قوله عزّ وجلَّ: "فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ" (الضحى:9) فالمراد منها: لا تُذلَّه ولا تَضرُّه وتُضيِّق عليه وتنهره وتزجره زجرًا يتأثر به نفسيًا، ولا يدخل في ذلك تأديبه وتعليمه، سيما إذا احتاج إلى ضرب وتهديد وتخويف، كما يفعل حاضنه مع أولاده، فإن ذلك من مصلحتهم.

 

أمهات عظماء الأيتام والتربية الراشدة

وخير دليل على ذلك: ما فعلته أمهات العظماء من الأيتام؛ لما أدركن عظم دورهن في تنشئة أبنائهن على الصلاح والتقوى، بل وكن دافعات لهم، حتى بلغوا أعلى درجات الأدب والعلم، وصاروا مثلاً أعلى للشخصية المسلمة المنضبطة الناجحة في مجالها، النافعة لأمتها.

يقول الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ عن نفسه: "حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين، وحفظت الموطأ وأنا ابن عشر سنين". لكن، مَن الذي رباه وكان وراء ذلك الإنجاز؟! يقول متحدثاً عن نفسه أيضاً: "كنتُ يتيمًا في حجر أمي، ولم يكن لها ما تعطيه للمعلم، وكان المعلم قد رضي مني أن أخلفه إذا قام، وأخفف عنه".

ومنهم: الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، كان يتيمًا، توفي أبوه وعمره ثلاث سنوات، فمن الذي اعتنى به؟ إنها أمه، فقد حفظ القرآن وعمره عشر سنين، وكان من أخبار أدبه وتقواه لله ـ عزّ وجل ـ وهو صغير، أمر عجيب، قال المرُّوذي (أحد تلاميذ الإمام أحمد): قال لي أبو سِراج بن خُزيمة: كنا مع أبي عبدالله في الكتَّاب، فكان النساء يبعثن إلى المُعلِّم: ابعث إلينا بابن حنبل، ليكتب جوابَ كتبهم، فكان إذا دخل إليهن لا يرفع رأسه ينظر إليهن!

قال أبو سراج: فقال أبي - وذكره - فجعَل يعجَبُ مِن أدبه، وحُسن طريقته، فقال لنا ذات يوم: أنا أُنفق على أولادي وأجيئُهم بالمؤدِّبين على أن يتأَدبوا فما أراهم يُفلِحون، وهذا أحمد بن حنبل غلام يتيم، انظر كيف يخرج! وجعل يعجَب.

نعم عزيزي القارئ: إن أمثال هؤلاء الأمهات الواعيات، لم يتركن أي ثغرة لمشاعر النقص أو الدونية كي تتمدد في نفس الابن، بل على العكس دفعن بهم إلى معالى الأمور، وأدَّبْنَهُم على تقوى الله عز وجل، ومكارم الأخلاق.

 

من أهم الوصايا في تربية اليتيم

المنهج الأمثل في تربية اليتيم هو المنهج نفسه، الذي يتعامل به المربي مع ولده، مع التأكيد على النقاط التالية:

- إشباع حاجاته النفسية للقبول والحب باستمرار، والتعبير عن هذه المشاعر بكل الطرائق الممكنة.

- الوفاء بتأديبه وتعليمه، مثل أي طفل وُلِدَ في ظروف عادية، فكونه يتيما لا يعطي المربي الذي يتولى رعايته أن يتساهل في تأديبه وتبصيره بالصواب والخطأ، وتدريبه على تحمل المسؤولية والتفاعل الصحيح مع المجتمع من حوله.

- تعميق عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر في نفس الطفل اليتيم، وتأديبه على خلق الرضا بما قسم الله تعالى للعبد، وأن ما اختاره الله تعالى له هو خير شيء له، وذلك من أجل القضاء على هاجس الإحساس بالنقص أو الاعتراض على حاله، والمقارنة بينه وبين أمثاله من الأطفال، الذين يعيشون في كنف آبائهم وأمهاتهم.

- دفع الطفل اليتيم إلى التفوق والتقدم في حياته العلمية والعملية، وضرب المثل له بعظماء البشرية، الذين ولدوا أيتاما وتربوْا في ظروف صعبة، ولكنهم تغلبوا على تلك الصعاب حتى سادوا الدنيا كلٌ في مجاله.

 

وأخيرا عزيزي القارئ:

إنّ التوازن الحكيم بين اللين والشدة والممنوع والمسموح به، وغيرها من قواعد ومحظورات تربوية. من مهمات المربي الفَطِنْ، الذي يدرك عِظَمَ الأمانة التي بين يديه، وخاصةً إذا كان ممن أولاه الله عزّ وجل تربية اليتيم ورعايته، في دور الرعاية أو في نطاق الأسرة، لابد من التوازن والاعتدال والأخذ بقواعد التربية الراشدة التي يخضع لها الأبناء في الظروف العادية؛ حتى نكون غداً من الفائزين إن شاء الله.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

- تفسير القرآن العظيم: الحافظ ابن كثير.

- منهج التربية النبوية للطفل: محمد نور بن سويد.

- تربية الأولاد في الإسلام: د.عبد الله ناصح علوان.

- تربية الأولاد بين الإفراط والتفريط: صالح بن عبد الله العثيم.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...