التوكل في حياة المرأة المسلمة لها أون لاين - موقع المرأة العربية

التوكل في حياة المرأة المسلمة

دعوة وتربية » سنن وفضائل
04 - جمادى الآخرة - 1439 هـ| 20 - فبراير - 2018


1

التوكل على الله عمل جليل، لا تستغني عنه المرأة المسلمة في سائر أحوالها، فهو مرتبط بحياتها، وله أثرٌ عظيمٌ في سعادتها، وتحقق مطالبها وحصول الرضا والاطمئنان في قلبها ووقايتها من الشرور. والتوكل نصف الدين. والنصف الثَّاني الإنابةُ، فإِن الدين استعانةٌ وعبادة. فالتوكل هو الاستعانةُ، والإنابةُ هي العبادة.

 

معنى التوكل

التوكل هو حال للقلب ينشأ عن معرفته بالله، والإيمان بتفرده بالخلق، والتدبير والضر والنفع، والعطاء والمنع، وأنه ما شاء كان، وإن لم يشأ الناس. وما لم يشأ لم يكن، وإن شاءه الناس. فيوجب له هذا اعتمادًا عليه، وتفويضا إليه ، طمأنينة به, وثقة به, ويقيناً بكفايته لما توكل عليه فيه.

سئل يحيى بن معاذ: متى يكون الرجل متوكلا؟ فقال: إذا رضي بالله وكيلا.

وقال ذو النون: خلع الأرباب وقطع الأسباب.  يريد قطعها من تعلق القلب بها، لا من ملابسة الجوارح لها. وسئل سهل عن التوكل؟ فقال: قلب عاش مع الله بلا علاقة.  وقيل: التوكل هجر العلائق، ومواصلة الحقائق.

وقيل: التوكل أن يستوي عندك الإكثار والإقلال.

 

منزلة التوكل

 

التوكل من سمات المؤمنين الصالحين قال اللَّه تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: 23]، وقال: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 122].

والتوكل من سمات أولياء الله، قال  تعالى عن أوليائه: {رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [الممتحنة: 4].

وأمر الله سبحانه رسوله ـ صلى الله عليه وسلم - بالتوكل عليه قال تعالى: {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ} [النمل: 79].

وأخبر القرآن عن أصحاب نبيه: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173].

والقرآن مملوء من ذلك.

وفي الصحيحين - في حديث السبعين ألف الذين يدخلون الجنةَ بغير حساب - «هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون».

وفي الترمذي عن عمر ـ رضي اللَّه عنه ـ مرفوعا: "لو أنكم تتوكَّلون على اللهِ حقَّ تَوَكُّلِه لرزقَكم كما يرزقُ الطيرَ ، تَغْدو خِماصًا ، و تروحُ بِطانًا"(وصححه الألباني).

 

صور من توكل المرأة المسلمة

- ومن صور التوكل حال أمنا هاجر حين أسكنها ابراهيم عليه السلام بأرض مكة، روى البخاري عن ابن عباس، رضي الله عنه قال: "أَوَّلَ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ الْمِنْطَقَ مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لَتُعَفِّيَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ الْبَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَتْ يَا إِبْرَاهِيمُ أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا فَقَالَتْ لَهُ آللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا قَالَ نَعَمْ قَالَتْ إِذَنْ لَا يُضَيِّعُنَا ثُمَّ رَجَعَتْ..."

 

          فقد كانت أمنا هاجر متوكلة على الله تعالى كان زادها في رحلة في منطقة صحراوية كلمات أهو أمرك، إذن لا يضيعنا.

 

- ومن صور التوكل علي الله تبارك وتعالى: قصة أم موسى عليه السلام والتي تبين توكل أم موسى، وتفويض الأمر لله سبحانه وتعالي، وهي من الصفات الأساسية التي يجب توافرها في الشخصية المسلمة، هذا المرأة التي لم تنجب وكانت عاقر فأنجبت موسي عليه السلام، وكان فرعون يقتل الأطفال، وخافت أم موسى عليه السلام  خوفا شديدا، فألقت بمولودها الرضيع في البحر دون تردد، وهي علي يقين أن الله تبارك وتعالى لن يضيعه، فحفظ الله ابنها عليه السلام ورده إليها ، قال تعالى :"وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ"(القصص:7).

 

  • وهذه صورة جميلة جداً تبين لنا نموذجا رائعا من توكل المرأة المسلمة على الله.

جاء عند البخاري ومسلم قصة جابر في غزوة الخندق، فقد جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد رأى ما على النبي عليه الصلاة والسلام من شدة الجوع والتعب، فذهب إلى بيته فوجد عناقاً وشيئاً من الشعير، فقال لزوجته: لو أعددت طعاماً فأدعو رسول الله عليه الصلاة والسلام.

وذهب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال: طعيم لنا يا رسول الله.

يعني أنه قليل من الطعام، فإذا بالنبي عليه الصلاة والسلام يدعو المهاجرين والأنصار إلى هذه الوليمة التي لا تكفي إلا لعدد قليل.

هذه الرواية جاء فيها أن جابراً جاء إلى زوجته وقال: ويحك! جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والأنصار ومن معه.

وفي الرواية الأخرى قال: فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا الله عز وجل، وقلت: جاء الخلق على صاع من شعير وعناق.

قال: فدخلت على امرأتي وقلت: افتضحت جاءك رسول الله صلى الله عليه وسلم بأهل الخندق أجمعين، فقالت: هل كان سألك كم طعامك؟ فقلت: نعم.

قالت: الله ورسوله أعلم، ونحن قد أخبرناه بما عندنا.

قال الرجل: فكشفت عني غماً شديداً.

لما كانت متوكلة مؤمنة فهي تعلم أن الأمر مادام من عند رسول الله عليه الصلاة والسلام فسيكون على صورة لا تعرفها، ولذلك قال: فكشفت عني غماً شديداً.

قال ابن حجر معلقاً على هذا: ودل ذلك على وفور عقلها وكمال فضلها.

 

 

أمور تعين المسلمة على تحقيق التوكل على الله تعالى:

1- معرفة الرب - سبحانه وتعالى- وصفاته، من قدرته، وكفايته، وقيوميته، وانتهاء الأمور إلى علمه، وصدورها عن مشيئته، واليقين بكفايته -سبحانه- لعبده.

2- العمل بالأسباب المشروعة مثل الدعاء، فالله يقول: "ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ" [سورة: غافر:60]، مع العمل الصالح، ومنه الإكثار من تلاوة القرآن ليطمئن قلبك.

3- رسوخ القلب في مقام التوحيد: أي توحيد القلب، والتجرد من علائق الشرك، والعلم بأن الأسباب المادية لا تجلب النفع أو الضر، وإنما هي أسباب فقط، يحصل من الله بسببها ما يريد سبحانه للعبد.

4- الاعتماد على الله وحده في جميع الأمور، فلا يبقى في القلب تشويش واضطراب: فلا تكون الدنيا أكبر همه، وغاية فكره، بل يعلم أن ما عند الله خير وأبقى، وإذا فاته شيء من الدنيا فلا يحزن الحزن المبالغ فيه، بل يصبر ويحتسب، فعليك توطين نفسك على الصبر على أقدار الله -عز وجل- والرضا عنه سبحانه.

5- حسن الظن -بالله عز وجل- وهذا مهم جداً فلا تسيئ الظن بالله، وتتوقعي المصائب قبل حصولها، بل أحسني الظن بربك، وأحسني أملك، ثم عندما ينزل القدر بمصيبة ما، روضي نفسك -كما سبق- على الرضا والتسليم.

6- استسلام القلب لله -عز وجل- فالأمور كلها بيده سبحانه، ونحن ملك لله سبحانه، وإذا حل بنا ما نكره فالله بنا رحيم، ومن رحمته بعبده: أنه قد يبتليه بمصيبة؛ ليكون أكثر خضوعاً لله، ورجوعاً عن ذنوبه، وانكساراً بين يدي الله -عز وجل-.

7- التفويض: فوضي أمرك إلى الله، وابرئي من حولك وقوتك، لأنك قد تتوهمين أنك لو فعلت كذا لاندفع عنك كذا، ولو أكلت مثلاً هذا الطعام دفعت عنك الإصابة بهذا المرض، فهذه الأسباب لو قمت بها فلا مانع، لكن لابد أن يقوم بقلبك أن كل شيء بيد الله -عز وجل- وهذا روح التوكل ولبه وحقيقته.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

- مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ابن قيم الجوزية، دار الكتاب العربي، بيروت.

- حسن التوكل، خالد بن سعود البليهد، موقع طريق الإسلام.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...