القناعة سر سعادة المرأة لها أون لاين - موقع المرأة العربية

القناعة سر سعادة المرأة

دعوة وتربية » سنن وفضائل
11 - جمادى الآخرة - 1439 هـ| 27 - فبراير - 2018


1

القناعة: هي السعادة كلها، وهي سبب السرور والطمأنينة في النفس والأسرة والمجتمع، فالمرأة التي تقنع برزق الله، ولا تتطلع إلى متاع الدنيا، وترفق بزوجها، تتحقق لها أسباب السعادة، وتحافظ على بيتها وتكون في حرز ومأمن من مداخل الشيطان، فمن رضي  بما قسم الله له، فهو أسعد الناس.

قال بعض العارفين: يا بن آدم، إذا سلكت سبيل القناعة، فأقل شيء يكفيك، وإلا فإن الدنيا وما فيها لا تكفيك.

وقال أَبو سليمان الدارانِي: الورع أَول الزهد، كما أَن القناعةَ أَول الرضا.

إن القناعة تضفي على النفس الرضا والسعادة والطمأنينة، وتورث صاحبها عزة، فلا يقبل الهوان، ولا ركوب الحرام، للاستكثار من المنافع المادية.

 

عدم إرهاق الزوج بالمطالب المادية:

إن قناعة المرأة تحملها على ألا تشكو زوجها إن كان فقيرًا، ولا نعني بهذه القناعة البخل وقبض اليد عن الإنفاق، بل يقصد بها: الاقتصاد والتدبير والإنفاق في غير سرف ولا مخيلة.

ومن مظاهر قناعة الزوجة الصالحة، ورضاها بما قسمه الله تعالى لها ولزوجها من الرزق: أنها تُقدر طاقته المالية وتقتصد في ماله، فلا تهدره بطرًا وبغير حق، ولا ترهقه بطلباتها غير الضرورية من متاع الدنيا، خصوصًا إذا فاقت إمكاناته، فذلك يزعجه ويؤلمه؛ لأنه لا يستطيع تحقيق هذه المطالب، ويعز عليه أن يظهر أمام زوجته بمظهر العاجز الذي لا يملك تنفيذ ما تطلب.

لذلك على المرأة أن تصحب زوجها بالقناعة، فلا تتطلع إلى ما عند الغير، ولا تحاكي أترابها من نساء الأقارب والجيران والمعارف في اقتناء الكماليات.

إن إرهاق المرأة لزوجها بكثرة المطالب بما يفوق طاقته: ربما تدفع الزوج إلى السعي في كسب الحرام وفي ذلك شقاء الأسرة كلها في الدنيا والآخرة.

عن أبي سعيد ـ رضي الله عنه ـ "أن نبي الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خطب خطبة فأطالها، وذكر فيها أمر الدنيا والآخرة، فذكر أن أول ما هلك بنو إسرائيل أن امرأة الفقير كانت تكلفه من الثياب أو الصيغ - أو قال: من الصيغة - ما تكلف امرأة الغني"(رواه ابن خزيمة، وقال الألباني: إسناده صحيح).

وأيضاً فإن كثرة مطالب الزوجة: تجعل الزوج يعيش مهموماً مغموماً عندما لا يستطيع تلبية مطالبها، وهمه وغمه لابد أن ينعكس عليها وعلى البيت كله.

إن المرأة العاقلة هي التي تنظر إلى من هي أقل منها عيشًا، وأضيق رزقًا، فيحملها ذلك على شكر الله تعالى، والرضا بما قسمه لها. إن القناعة تورث المسلمة سرور القلب بالمقدور في جميع الأمور، وطيب النفس وسكونها في كل حال، واغتباطها بما قسمه الله لها، ورضاها مِنه بِما يجرِيه عليها.

 

في فضل القناعة

قال اللَّه تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل: 97] قال كثير من أهل التفسير: الحياة الطيبة في الدنيا القناعة.

وقيل: في معني قَوله تعالى: {لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا} [الحج: 58] يعني القناعة.

وورد في "صحيح مسلم" عن عمرو بن العاص رضى الله عنه، أن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال: "قد أفلح من أسلم، ورزق كفافاً، وقنعه الله بما آتاه".

قال أبو حازم: ثلاث من كن فيه كمل عقله: من عرف نفسه، وحفظ لسانه، وقنع بما رزقه الله عز وجل.

وقَال أكثم بن صيفي لابنه: يا بني من لم يأس على ما فاته، ودع بدنه ومن قنع بما هو فيه قرت عينه.

وقال أَبو حاتم رضي اللَّه عنه: العاقل يعلم أن الإنسان لم يوضع على قدر الأحظاء، وإن من عدم القناعة لم يزده المال غنى، فتمكن المرء بالمال القليل، مع قلة الهم: أهنأ من الكثير ذي التبعة والعاقل ينتقم من الحرص بالقنوع كما ينتصر من العدو بالقصاص.

وعنه أيضا: القناعة تكون بالقلب، فمن غني قلبه، غنيت يداه، ومن افتقر قلبه لم ينفعه غناه، ومن قنع لم يتسخط وعاش آمنا مطمئنا.

وعن نعيم بن حماد، قال: سمعت ابن المبارك يقول: مروءة القناعة أفضل من مروءة الإعطاء.

وقال فضيل بن عياض رحمه الله: الزهد هو القناعة.

وقال بشر الحافي: القناعة ملك لا يسكن إلا في قلب مؤمن.

عن زكريا بن دلويه الواعظ قال: قال لي عبد اللَّه بن أَبي زياد القطواني: «يا خراساني، ما الذي أَخرجك من ديارك؟» قلت: حب الشرف، فقال لي: صدقت، الزم القناعة تشرف في الدنيا والآخرة، فليس الشرف في الإكثار.

وقال بعض البلغاء: إذا طلبت العز فاطلبه بالطّاعة، وإِذا طلبت الغنى فَاطلبه بالقناعة، فمن أَطاع اللَّه - عز وجل - عنّ نصره، ومن لزم القناعة زال فقره. وقال بعض الأدباء: القناعة عز المعسر، والصدقة حرز الْموسر.

يقول ابن الجوزي في كتابه (صيد الخاطر): لا عيش في الدنيا إلا للقنوع باليسير؛ فإنه كلما زاد الحرص على فضول العيش: زاد الهم، وتشتت القلب، واستعبد العبد. وأما القنوع، فلا يحتاج إلى مخالطة من فوقه، ولا يبالي بمن هو مثله؛ إذ عنده ما عنده.

 

من صور القناعة عند نساء السلف:

كان نساء السلف، إذا خرج زوجها من منزله تقول له: إياك وكسب الحرام، فإنا نصبر على الجوع ولا نصبر على النار.

ويذكر الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء، في مناقب السيدة فاطمة بنت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنها كانت ـ رضي الله عنهاـ  صابرة دينة خيرة صينة قانعة شاكرة لله.

وكانت عبدة أخت أبي سليمان الداراني، تقول: الفقراء أموات إلا من أحياه الله تعالى بعز القناعة والرضا بفقره.

وقال أبو محرز الطفاوي: شكوت إلى جارية لنا ضيق المكسب علي وأنا شاب، فقالت لي: يا بني استعن بعز القناعة عن ذل المطالب، فكثيراً، والله ما رأيت القليل عاد سليماً. قال أبو محرز: ما زلت بعد أعرف بركة كلامها في قنوعي.

ومن صفات الواعظة أم زينب فاطمة بنت عياش البغدادية الشيخة: أنها كانت وافرة العلم، قانعة باليسير، حريصة على النفع والتذكير، فكان من ثمرة ذلك أن أصبحت سيدة نساء عصرها، وانصلح بها نساء دمشق، ثم نساء مصر، وكان لها قبول زائد، ووقع في النفوس. قال الذهبي: زرتها مرة.

 

طرائق تحصيل القناعة:

ولكي تكتسب المرأة القناعة في الدنيا: عليها أن تتحلى بالصبر والعلم والعمل، والتحلي بهذه الثلاث يكون من خلال ما يلي:

الأول: الاقتصاد في المعيشة، والرفق في الإنفاق: فمن أرادت القناعة، فينبغي أن  تقتصد في عيشها ما أمكنها، وترد نفسها إلى ما لابد منه، فتقنع بأي طعام  وترضى بأي ملبس، طالما ملتزمة بالزي الشرعي. فعن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "ثلاثٌ مُنجِياتٌ: خَشيةُ اللهِ تعالَى في السِّرِّ والعلانِيَةِ، والعدلُ في الرِّضا والغضَبِ، والقصْدُ في الفقْرِ والغِنَى"(رواه الطبراني وغيره وحسنه الألباني).

 

الثاني: إذا تيسر لها ما يكفيها، فلا تكون شديدة الاضطراب لأجل المستقبل: يعينها على ذلك قصر الأمل، واليقين بأن رزقها لا بد أن يأتيها، ولتعلم أن الشيطان يعدها الفقر.

 

وعن أَبِي أمامة أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ ـ قَالَ: "إنّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعِي أنّ نَفْساً لنْ تَمُوتَ حَتّى تَسْتَكْمِلَ أجَلَها وَتَسْتَوْعِبَ رِزْقَها، فاتّقُوا الله وأجْمِلُوا في الطَّلبِ، ولا يَحْمِلنَّ أحَدَكُمُ اسْتِبْطاءُ الرِّزْقِ أنْ يَطْلُبَهُ بِمَعْصِيَةِ الله، فإنّ الله تعالى لا يُنالُ ما عِنْدَهُ إلاّ بِطاعَتِهِ"(رواه أبو نعيم في حلية الأولياء وصححه الألباني).     

 

الثالث: أن تعرف ما في القناعة من عز الاستغناء، وما في الطمع والحرص من الذل: قال إِبراهيم بن شيبان: الشرف في التواضعِ. والعز في التقوى. والحرية في القناعة. وقرأ بعض الحكماء: أنت أخو العز ما التحفت بالقناعة.

 

الرابع: أن تكثر التفكر في تنعم أراذل الناس والحمقى منهم وأهل المعاصي، ثم تنظر إلى أحوال الأنبياء والأولياء والصالحين:  ثم تختار إلى أي الفريقين تفضل أن تنتمي أراذل العالمين، أو صفوة الخلق عند الله تعالى، حتى يهون عليها الصبر على القليل، والقناعة باليسير، وتدرك أن الله "يُعطي الدنيا من يُحبُّ ومن لا يُحبُّ، ولا يُعطي الإيمانَ إلا مَن أحبَّ"(رواه أحمد، وحسنه الألباني).

 

الخامس: أن تنظر دائما إلى من دونها في الدنيا، وإلى من فوقها في الدين: كما جاء في الحديث من رواية مسلم أن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ".

 

وأخيرا:

لا بد أن تعلمي ونعلم جميعاً: أن المال الكثير، والمتاع الفاخر، ليس نعمة دائما، بل قد يكون فتنة، فاقنعي بما آتاك الله، وارغبي في الآخرة.

وليست تعني القناعة الخمول وترك الطموح، كلا إن طلب الرزق والتطلع إلى التوسعة على الأهل والعيال: أمر طيب.

لكن الذي نعنيه ألا تحملك الرغبة في المال والتنعم والزينة، على دفع زوجك إلى المهانة أو الوقوع في الحرام. أو التفريط في كرامته، أو نسيان الله والتكاسل عن الطاعات.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

-هذه هي زوجتي، عصام ابن محمد الشريف، نسخة إلكترونية.

- مختصر منهاج القاصدين، لابن قدامة المقدسي، مكتبةُ دار البيان، دمشق.

- روضة العقلاء ونزهة الفضلاء، محمد بن حبان الدارمي، دار الكتب العلمية - بيروت.

- مدارج السالكين، ابن القيم الجوزية، دار الكتاب العربي ـ بيروت.

- أدب الدنيا والدين، أبو الحسن علي بن محمد الماوردي، دار مكتبة الحياة.

 

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...