من ذكريات أم الشهداء: حجتي كانت رزقا أكرمني الله به

أدب وفن » بوح الوجدان
05 - ذو الحجة - 1431 هـ| 12 - نوفمبر - 2010


1

عام من الفراق..  ظلت أم محمد الكحلوت من بلدة بيت لاهيا (فلسطين)، تكابد الحزن والألم على ابتعاد الأحبة - الزوج خالد والأبناء الثلاثة حبيب، محمد وتوفيق- شهداء في لحظة واحدة، وبصاروخ استهدف سيارة كانت تقلهم من مركز المخيم إلى حيث التجئوا عند أحد أقاربهم أول حرب الرصاص المصبوب نهاية ديسمبر عام 2008.

 وعلى حين غرة وبينما تحاول لملمة جراحها، وزرع البسمة على ثغور فتياتها الثلاث؛ لتعويضهن عن حنان الأب والأشقاء، كرمها الله العزيز بزيارة بيته الحرام في ظروف لم  تكن بالحسبان.

 فبعد أن أعلن خادم الحرمين الشريفين تكريم أهالي شهداء الحرب في غزة بأداء فريضة الحج، وكانت أم محمد ممن وفقهم الله لهذه الرحلة المباركة التي استمتعت بها واحتفظت بكثير من ذكرياتها؛ تحدثت لـ" لها أون لاين " عنها وفي قلبها أمنية أن تتكرر الزيارة لتؤدي الفريضة عن زوجها الشهيد.

على الرغم من الألم الدفين بقلبها على فراق أبنائها وزوجها؛ إلا أنها ما إن وطأت بأقدامها الأراضي المقدسة وشخص بصرها أمام الحرم المكي؛ حتى انفجرت بالبكاء؛ بينما لهج لسانها منذ النظرة الأولى للحرم بالدعاء بالمغفرة والرحمة ونيل جنة الفردوس لزوجها وأبنائها الثلاثة.

 تقول أم محمد:"لم أشعر بشيء من الضيق الذي سكن قلبي على مدار أشهر الفراق؛ فكنت أشعر براحة وسكينة واطمئنان لا قبله ولا بعده"، وتضيف: أنها شعرت أنها بمعية الله عز وجل، تصمت قليلاً لتذكر كيف لم تصدق بدايةً بأنها ضمن المكرمة، وأنها ستغادر إلى أشرف وأطهر بقع الأرض، وتشير إلى أنها راحت تبحث لدى كل المؤسسات الرسمية والخاصة بالشهداء عن حقيقة الخبر، ولما تأكدت منه شعرت برضا غريب تقول:"كنت أشعر أن تلك مكرمة من الله، ومكافأة على صبري واحتسابي لزوجي وأبنائي الثلاثة شهداء، فلم يكن لديّ حول ولا قوة إلا بالله والاستعانة بالله على الدعاء لهم".

 وتتذكر أحد أهم المواقف الأليمة التي تعرضت لها، وهو تركها لفتياتها الثلاث في غزة فتقول:"كانت لحظات عصيبة لم نكف أبداً عن البكاء، ولم ينقطع لساني عن الدعاء بأن يحفظهن الله ويرعاهن بحوله وقوته حتى أعود من رحلتي والحمد لله كان دعائي مستجاباً".

 وتستكمل ذكريات الفرح والأمل والسعادة التي غمرت قلبها أثناء رحلة الحج، تشير إلى أنها على الرغم من معاناتها من مرض غضروفي الظهر، إلا أنها على امتداد رحلة الحج وتأدية المناسك لم تشعر بألم قط، وكأن الله سبحانه وتعالى أذهب عنها البأس وأبدله بسكينة وراحة، تقول:"وما أن وضعت قدماي في الحرم المكي الحبيب الشريف ووقفت أنظر للكعبة التي اشتاق القلب لرؤيتها حتى تبددت آلام جسدي".

وتضيف أنها كانت تستعين بالدعاء والتسبيح على أداء مناسك الحج، فهي إذا ما شعرت بضعف في جسدها حتى صدحت دعاءً لله بأن يعينها على أداء المناسك بكاملها.

مفارقات!

كثيرة هي المفارقات التي تحدث في الحج، لكن واحدة منها حدثت مع أم محمد، لكنها لم تزدها إلا إيماناً وصبراً تقول:"كان ذلك في يوم عرفة تأخرنا قليلاً عن الحافلة (الباص) الذي من المفترض نقلنا إلى عرفة بسبب انهيار أحد الجسور أمامنا (بسبب السيول)؛ مما جعلنا نسير على أقدامنا مسافة طويلة، وبدأت قواي تنهار فاستجمعت الآلام طريقها إلى جسدي لكنني ما إن وصلت إلى عرفة حتى عدت بفضل الله لنشاطي، واستكملنا مناسك الحج بفضل الله. إنها رحمة الله بنا التي تجعلنا نتجاهل الآلام لنيل الثواب والرضا والعفو والجنان".

ومن المفارقات الإيجابية الأخرى أن كل من بالحج ما إن يلمح الرداء وقد كتب عليه فلسطيني؛ حتى يأتيك مبتسماً داعياً، يبثك الصبر الجميل على البلاء الذي يلاقيه أهلك في فلسطين، تقول:"كانت كلماتهم على الرغم من بساطتها تزيدنا قوة وصبراً، وتشعرنا بأننا في قلب وعقل المسلمين وأنهم يتألمون لألمنا".

اليوم أم محمد كلما تشهد الأماكن المقدسة يتوق قلبها لأن تكرر الرحلة مرة أخرى، لكن ليس لتحج عن نفسها وإنما عن زوجها الشهيد لتسقط عنه الفرض الذي لم يستطع تأديته لفقره وفاقته.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...