مضى عام وأقبل عام.. فهل من معتبر؟ (1-2)

عالم الأسرة » همسات
21 - ربيع أول - 1437 هـ| 02 - يناير - 2016


1

روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقومُ الساعةُ حتى تأخذَ أُمَّتي بأخذِ القرونِ قبلها ، شبرًا بشبرٍ وذراعًا بذراعٍ. فقيل: يا رسولَ اللهِ، كفارسَ والرومِ؟ فقال: ومن الناسِ إلا أولئِك".

     العمر مرتبط بالزمن وبالمكان، فإذا جاء الأجل، رحل الإنسان إلى دار البرزخ، ولم يعد له علاقة أو ارتباط بهما، ثم لم يعد له نصيب في الدنيا، فقد انقطع عمله وطعامه وشرابه منها، ولم يعد ينتفع من دنياه إلا بما تصدق به من صدقة جارية، أو ترك علما ينتفع به، أو ولد صالح يدعو، أو تبرع له شخص ما بثواب عمل يهديه إليه.

 

     ما هذه الدنيا إلا كراكب في صحراء، تعب من السفر فرأى شجرة، فاستظل تحتها وقتا، ثم غادرها إلى غير ما رجعة.

 

     مقالي هذا ليس موعظة ولا خطبة ولا نصيحة، بقدر ما هو النظر في هذه الحياة التي تكر بها الأيام والشهور والسنون، ولا ينتفع بها، أو يصرف طاقاته بها في غير مرضاة الله تعالى، فإذا يوم البعث قال: رب ارجعوني لعلي أعمل صالحا في ما تركت، كلا!! 

 

     إن الناس - وأخص المسلمين في هذا الكلام - اليوم بدلا من أن يجددوا حياتهم ويصطلحوا مع ربهم، وقد انصرم عام من حياتهم، ويتوبوا إلى الله مما اقترفته أيديهم استعدادا للحياة الباقية – نرى توجه المسلمين (ولا أعمم) يميل لصالح أهل الكتاب والأعاجم حبا في محاكاتهم، ورغبة في مشاركتهم بما يقومون به من أعمال شركية وكفرية وبدعية يستنكرها – لو كان بين أظهرهم – المسيح عليه السلام؛ فلقد غدت أعياد الميلاد مهرجانات للفجور والعهر وشرب الخمور وخروج النساء بأشكال نعوذ بالله منها، ثم استحداث أعمال ليس من ورائها سوى محاربة لدين الله تعالى. والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن : "كل أمتي معافى إلا المجاهرين"رواه البخاري. فإذا جاهر العباد بالمعاصي، وصار المعروف عندهم منكرا، والمنكر معروفا؛ بل أُمِرَ بالمنكر ونُهِيَ عن المعروف، فلينتظروا من الله غضبا تتنوع صوره بحسب نوع المعصية.

     إن من يتصفح كتاب ابن تيمية (اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم) وتأمل في حال الأمة وما آل إليه أمرها في تقليد الكفار في الاحتفالات بأعيادهم وأعمالهم (كتقليدهم في اللباس، والطعام والشراب والكلام والشارات والهيئات وأسلوب الحياة، واهتماماتهم في هذه الدنيا حتى أصبحت الحياة الآخرة ليس لها نصيب في أحاسيسهم وأفكارهم....) و حتى شربت الخمور، وخرجت النساء كاسيات عاريات، وتباهى الخلق بكل ما ينافي شرع الخالق سبحانه، فماذا ننتظر إلا الذل والمهانة وتكالب الأعداء علينا حتى نصبح كقصعة الطعام تتداعى إليها سائر الملل والنحل.

 

     فالعري الذي اتخذ أشكالا لدى النساء حتى غدا فنا يروج له شياطين الإنس والجن، وتسابق العصاة إلى السفر الداخلي والخارجي لمشاهدة هذا الحشد الهائل من المنكرات، التي خرجت علينا بمظاهر قديمة وجديدة، أو قديمة مجددة.

وترى الشباب – وهم في سن الفتوة والقوة – يحجزون بطاقات السفر قبل حلول وقت الميلاد، وهي حجوزات باهظة الثمن، ومن حولهم يفتك الجوع بإخوانهم كما يفتك المرض بأجسادهم، ويعيشون حياة فقر مدقع، فكيف ننتظر من الله فرجا علينا!!.

وأخيرا: انتقل الداء إلى الأسر، فرب المنزل أخذ يُرَفِّهُ أولاده ذكورا وإناثا بالسفر( بمناسبة أعياد الميلاد) ليشاركوا الضالين (النصارى) في الاحتفال بعيد السيد المسيح (والمسيح بريء مما يحصل الآن بمناسبة ميلاده)

     إن حفلات المجون والسهر على أنغام آلات الطرب، حيث يقوم عدد كبير ممن يسمون أنفسهم فنانين وفنانات بإحياء ليالي حمر فيها ما لذ وطاب مما يرضي ما بين الفخذين والفكين، ناسين في هذا الهرج والمرج أنهم واقفون أمام الله تعالى، يسألهم عن هذا الذي يفعلون، والموت أقرب إلى أحدهم من شراك نعله، فهل من معتبر!!

 

    إن أهل السنة والجماعة في بعض بلاد  العالم الإسلامي والعربي يتعرضون إلى حرب إبادة؛ فهل يليق بعدد لا بأس به من إخوانهم أن يداهنوا أعداءهم، فيقلدونهم ويشاركونهم فيما هم فيه من شرك وكفر وبدع وضلال!

     تأتي أعياد الميلاد – وهي تسمية باطلة تاريخيا ودينيا – في زمن الفتن والحروب والتآمر على أمتنا والكيد لها؛ ونحن هل نواجه هذا التحدي الذي يستهدف حياتنا ووجودنا وهويتنا وثقافتنا وحضارتنا – هل نواجه هذا المد المخيف على بلادنا بإعلان الحرب على الله ورسوله؟!!. ونبينا قد حذرنا من محاكاة هؤلاء المحاربين لنا، وأمرنا أن نخالفهم في أدق الأمور فضلا عن كبارها. (مرة أخرى أدعو كل مسلم ومسلمة لقراءة كتاب ابن تيمية اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم).

     إن التشبه إنما يصدر عن إعجاب المتشبه بمن تشبه بهم، وإحساسه بتفوق الآخرين عليه. والمشابهة في أمور دنيوية تورث الموالاة والمحبة، وهذه المشابهة تنافي الإيمان أو كماله بحسب نية المتشبه. فلينتبه المسلمون لهذا. فما بالك إذا كانت المشابهة في أمور فكرية واعتقادية، فالمسلم الذي يقلد الكفار في الهدي الظاهر، يقوده إلى ذلك على وجه المسارقة والتدرج الخفي إلى التأثر باعتقاداتهم الباطلة. 

     وصدق ابن عبد الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: "لتتبعُنَّ سَنَنَ من كان قبلَكم، شبرًا بشبرٍ وذراعًا بذراعٍ، حتى لو دخلوا جُحْرَ ضبٍّ تبعتُمُوهم". قلنا: يا رسولَ اللهِ، اليهودُ والنصارى؟ قال: فمَنْ؟"رواه البخاري.  

 

     وأبشر المؤمنين بـ "لا يَزَالُ اللَّهُ يَغْرِسُ فِي هَذَا الدِّينِ غَرْسًا يَسْتَعْمِلُهُمْ فِي طَاعَتِهِ"   أن الله لا يزال يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم فيه بطاعته) حديث أخرجه ابن ماجه، عن أبي عنبة الخولاني رضي الله عنه، وحسنه الألباني.

 

     إن اليهود والنصارى قد حسدوا المسلمين على ما هم فيه من الهدى والعلم، ولذلك لا يرضون عنا حتى نتبع ملتهم. فلنحذر من هذا الحسد. وللحديث بقية.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


مالك فيصل الدندشي

إجازة في الآداب – قسم اللغة العربية / جامعة دمشق
دبلوم عال في الشريعة الإسلامية / معهد الدراسات الإسلامية في القاهرة

مالك فيصل الدندشي من سوريا - محافظة حمص والمولود في العام/ 1949م.
تلقيت تعليمي الابتدائي والمتوسط والثانوي في بلدتي ( تلكلخ ) ثم التحقت بالجامعة في مدينة دمشق, وحصلت على الإجازة ( بكالوريوس ) في الآداب – قسم اللغة العربية وتخرجت في العام 1974م.
عملت في التعليم العام في سوريا ثم في المعاهد العلمية التابعة إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مدة إحدى وعشرين سنة وخلال هذه المدة سافرت إلى القاهرة وحصلت على دبلوم عال في الشريعة الإسلامية.
أعمل الآن مدرساً منذ تسع سنوات في مدارس الفرسان الأهلية وخلال إقامتي في الرياض حصلت على عشرات الدورات والورش والمشاغل في مواضيع مختلفة في التربية والتعليم.
كتبت العديد من المؤلفات والأبحاث والمقالات في موضوعات شتى.


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...