ماذا عندما يأتي البعض على الدنيا .. "غلطة لم تكن في حساب الأبوين"؟!

مجرد التلفظ بأنها غلطة "حرام شرعا"

عالم الأسرة » أمومة وطفولة
26 - ربيع أول - 1432 هـ| 02 - مارس - 2011


1

يُكبر البعض منا على جملة يرددها الأب أو الأم أو كليهما معا وهي :" كنت غلطة.. لم يكن بحسباننا إنجابك"، ربما تقال لنا هذه الجملة مزاحا أو مداعبة، لكن لا بد أن يأتي سماعها أيضا عندما نرتكب خطأ ما.

      يعتقد البعض أن هذه الكلمات يجب أن لا تؤثر بصاحبها لأنها "من وراء قلب الأبوين" ، لكن التجارب الواقعية تقول إنها من الممكن أن تشكل أزمة حياة لهذا الإنسان؛ لذا يجب أن يتوقف هؤلاء عن التلفظ بهذا الألفاظ الذي تعتبر اعتراضا على قدر الله أيضا.

  " لها أون لاين " تعرض تجارب لأطفال وأمهات عاشوا هذه التجربة، كما يوضح التقرير الوجهة الشرعية لهذا الأمر والنفسية أيضا.

"معتز" كان ترتيبه الخامس بين أشقائه ورغم أنه صبي وتفرح الأسرة العربية بالذكور أكثر من الإناث إلا أنه عاني من الوصم بأنه  "غلطة"، أحيانا تقال له بمزاح، وأحيانا أخرى بغضب وضيق، الأم التي لم تحظي بالتعليم الثانوي لم تدرك فداحة الخطر التي تُعرض ابنها له، حتى في أوقات السمر العائلية كانت تسمعه أنه لم يكن بالحسبان إنجابه، عندها يتبادل أشقائه الاستهزاء به، فما يكون منها إلا أن تُنعم عليه ببعض الكلمات لإرضائه ولكن بعد ماذا!

      لقد أصبح هذا الفتي صعب المزاج، ولا يثق كثير بعائلته وعند أقل موقف يصرخ بوجوههم قائلا "يا ريت ما جيت على هذه الدنيا، أصلا أنتم ما كنتم بدكم إياني" ، ولا يترك معتز مجالا تعرض فيها لألم أو إزعاج إلا وأعرب عند رغبته في عدم الإتيان على هذه الدنيا، كما أنه يرجع سبب عقاب أبويه له لعدم رغبتهم في إنجابه من الأصل .

  تقول أمه :"الصراحة أنني كنت أقول هذا اللفظ على سبيل المزاح أحيانا وأحيانا أخري استفزاز له إذا تصرف تصرف ما"،  وتقر أم معتز  أنها ومع مرور الوقت أيقنت حجم خطئها وكفت نهائيا عن ذكر ذلك أمام ابنها.  وتقول: كلما تذكرت ذلك بدأت بالاستغفار واسأل الله لي المغفرة عن هذا الخطأ الذي لم أدركه، وتدعو جميع الأمهات والآباء أمثالهم أيضا للكف عن ذلك.

تجارب ومواقف

ألفت – 40 عاما - تعمل مدرسة في القطاع الخاص، اتفقت مع زوجها على تنظيم النسل، فكان لهم من الأبناء ثلاثة استكفت بهم، ومرت الشهور والسنوات ومع اتخاذهم وسيلة جيدة لمنع الحمل؛ أراد الله الكريم لها الحمل بأنثى وفعلا جاءت الطفلة "روضة" ، ألفت ورغم ندمها من التلفظ بكلمة "غلطة" أمام طفلتها وأشقائها إلا أنها لا تنكر أنها على الأقل وقت المدح تقول لطفلتها :"أنت أجمل غلطة حصلت لنا"، وتأسف ألفت لهذا الوضع كثيرا، وتقول إن المجتمع ورث هذه الألفاظ والسلوكيات على صاحب هذه التجربة ،وحتى المتعلم يستجيب أحيانا لعادات وسلوكيات المجتمع، ودعت الجميع للكف عن مثل تلك الألفاظ والسلوكيات.

      أما زميلتها في المدرسة دنيا فقد مرت عليها تجارب كثيرة، وما زال يعلق في ذهنها  قصة طفل نشأ وهو يسمع أنه "غلطة لم تكن بحسبان أبويه " تقول دنيا :"كان هذا الطفل عصبيا جدا، وعدوانيا ويختلق المشاكل دائما وعنيد جدا" وتضيف المدرسة :"عند المتابعة مع الأهل لحل مشكلته اتضح أن أمه كثيرا ما أسمعته أنه جاء دون حساباتهم وأنه أسوء أبنائهم وتتمنى أنه لم ينجب أصلا" ، تقول دنيا :"تعاطفت كثيرا مع هذا الطفل، خاصة بعد أن أصبح يكره أشقائه ويتخذ من المشاكل وسيلة لإثبات وجوده في المنزل، و اتخذت مع أمه الكثير من الوسائل لتفادي إشعاره بأنه لم يكن مرغوبا به منذ البداية".  وتدعو دنيا كافة الأمهات إلى الحذر من وصم الطفل بالغلطة الغير مرغوب فيها بالأسرة وعدم الاستهانة بعواقب هذا السلوك مع الطفل.

 

حرام شرعا

       كثيرات هنَّ النساء اللاتي يعمدن إلى التوصل مع أزواجهنَّ لتنظيم عملية الإنجاب، غير أنهن أحياناً وبإرادة الله يحدث لهنّ الحمل فيسارعن إلى وصمه بالغلطة على مسمع القريب والغريب دون مراعاة لأحكام الشرع والدين من كون أن ذلك الوصف قد يعتبر تعدي على إرادة الله.

     رئيس لجنة الإفتاء الشرعي بجامعة الأقصى د. رمضان إسحاق الزيان، يرى أن ذلك الوصف لا يجوز، وأضاف لـ" لها أون لاين" أن الإنسان أو المرأة إذا ما كان يقصد باللفظ "غلطة" بتفاصيله ومعناه وأنه تعارض مع حساباته البشرية فإنه بذلك يخالف إيمانه بالقضاء والقدر ويعد كفراً.

  مؤكداً أن ذلك ممنوع، وأوضح أن الأمر إذا ما كان لا يتعدى كونه لغوا "كقوله والله كان غلطة، أو لا قدر الله أتى" فعلى الإنسان أن يبتعد عنها لما فيها من إساءة لقدر الله سبحانه وتعالى،  قائلاً :"إن ما قدر الله كان وما لم يقدر لم يكن"، وأضاف أن نبذ ذلك  الجنين منذ بدأ نبض قلبه في رحم أمه يؤثر عليه حين يغدو طفلاً من الناحية النفسية، فيرى الطفل أنه غير مرغوب ولا مرحب به من أهله مؤكداً أن ذلك ينعكس على سلوكه وتصرفاته مع الآخرين ومع والديه أيضاً.

نفسيا .. الطفل سيعاني

    رئيس قسم علم النفس في جامعة الأزهر بغزة د. أسامة حمدونة يحذر الأب والأم من الحديث أمام طفلهم بأنه لم يكن مرغوبا به منذ أن كان نطفة في رحم أمه، ولا ينكر د. حمدونة أن تأثير معاملة الوالدين مع الطفل يتم بطريقة لا شعورية على اعتبار أنهما لم يكن لديهما النية المسبقة للإنجاب.

ويشدد رئيس قسم علم النفس في حديثه مع "لها أون لاين" على ضرورة أن يخضع مثل هؤلاء الوالدين لجلسة إرشادية نفسية ويفقها أن مشاعرهما اللاشعورية يمكن أن تتدخل في طريقة معاملتهم لهذا الطفل.    مؤكداً أن ذلك أمر مهم وملِّح جداً والأسباب من وجهة نظره النفسية في مثل هذه الحالات، وإذا كان هناك ممارسات من الوالدين بناءً على هذا التصور وأنهما لم يرغبا بالطفل منذ البداية؛ فإن الطفل سيعاني من مشاكل نتيجة التعامل الخاطئ، و نتيجة الرأي المسبق لدى الوالدين أنهما لا يريدان طفلا  إضافيا، الأب يبقى أباً وكذلك الأم ولكن على مستوى لا شعوري يمكن أن تتدخل الأمور وتؤثر على معاملتهم للطفل، وقال د.حمدونة :"يجب أن يضع الأبوان أمام أنفسهما وأمام مشاعرهم اللاشعورية التي ممكن تكون انتقلت  حيز اللاشعور أو هامش الشعور".

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


ميرفت عوف

صحافية تعيش في قطاع غزة، مهتمة بشئون المرأة، وكتابة التقارير الاجتماعية والإنسانية، عملت مع عدة الصحف الفلسطينية والعربية.


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...