طفلك يستفزك ؟ لست وحدك ( 2من2 )

عالم الأسرة » أمومة وطفولة
09 - ربيع الآخر - 1423 هـ| 20 - يونيو - 2002


طفلك يستفزك ؟ لست وحدك.. (2من 2)

متى وكيف نعاقب أطفالنا ؟

عقاب الطفل ليس أمراً مستهجناً من حيث المبدأ ففي الحديث عن تعليم أبنائنا الصلاة يقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم– :" .... واضربوهم عليها لعشر". فالعقاب أسلوب تربوي لا غبار عليه إذا مورس بضوابط محددة، لكن يثور تساؤل عن الوقت المناسب لعقاب الطفل؟ وهناك رأيان متناقضان في هذه المسألة، رأي يقول بضرورة عقاب الطفل فور ارتكابه الخطأ، والرأي الآخر يرى تأجيل عقاب الطفل لوقت يكون فيه أبواه هادئين.

وفي الواقع يمكن التوفيق بين الرأيين فلا ننتهز أي خطأ يرتكبه الطفل فنُبادر بعقابه وإشباعه لكماً وصفعا،ً بل يجب أن نهدأ ونزيل بقدر الإمكان مشاعر الغضب والغيظ من قرار العقاب، ويمكن أن يناقش الوالدان أو أحدهما الطفل في الخطأ الذي ارتكبه، أو يتشاورا معاً حول طبيعة العقاب المناسب، ولكن ينبغي ألا تطول مدة تأجيل العقاب، حتى لا تزيد مدة تعذيب الطفل، ويرى علماء النفس أنه من المناسب أن تعاقب الأم طفلها فور اقترافه الخطأ إلا في الحالات التي ترى أنها خطيرة ويجب استشارة الأب في أسلوب عقاب مختلف.

وتحديد نوع العقاب لا يقل أهمية عن تحديد الوقت المناسب للعقاب، وللأسف لا توجد قاعدة عامة تصلح لكل أم في هذا الصدد، فتقدير نوع العقاب المناسب وجدواه مسائل متروكة لرؤية الأم، وكلمة "مناسب" تختلف من أسرة ومن بيئة إلى أخرى، فقد يكون ضرب الطفل باليد مناسباً لتقويم سلوكه، إلا أن هناك أطفالاً يغضبون بشده من هذا الأسلوب المهين من وجهة نظرهم، وقد يكون حبس الطفل لمدة دقائق في غرفته ردعاً كافياً يجعله يأتي باكياً معتذراُ، إلا أن ذلك قد يثير جنون طفل آخر, وهناك أسلوب حرمان الطفل من مصروفه، أو منعه من الخروج إلى الفسحة، وهذا العقاب يتناسب غالباً مع الأطفال الذين تعدوا السابعة من العمر.   

وهنا تجدر الإشارة إلى ضرورة توخي العدل في العقاب، فذلك ينمي في نفس الطفل الإحساس بالعدل، أما العقاب الظالم فهو يؤدي إلى فقدان الطفل الإيمان بالقيم الأخلاقية.

ومن أوجه العقاب الخاطئة أن يضرب الطفل في مجمع الناس أو أن يوبخ أمام أصدقائه مما يترك أثراً سلبياً في شخصيته وثقته بنفسه.

ولعل توزيع مسؤولية التربية على الوالدين تجعلها أخف حملاً على كليهما.   وأذكر أنني فعلاً سعيدة الحظ أن يكون زوجي متعاوناً معي ومسانداً لي، يعود إلى البيت في ساعة معقولة فيأخذ الأطفال  ويتحدث إليهم ويداعبهم، كما يساعدني في تنويمهم، ولذلك فقد كنت أثناء النهار أشعر أن الضغط الذي  أواجهه سيسرى عني في لحظة ما بعد الخامسة مساء. ولكن كثيراً من الأمهات ليسوا في مثل حالي ولذلك فإنهن يجدن صعوبة كي يكن هادئات طوال الوقت بدون أن يحل محلهن أي شخص ليعطيهن فرصة للراحة.

الود الحازم

لا أتوقع أن يديم أطفالي الجلوس في صمت ودون أن يمسوا أي شيء بأيديهم، ولكن في مقابل ذلك لا أقبل أن أرى أي كتاب وقد أزيح عن الرف الذي كان عليه وأسيئت معاملته.. أعلم أن الأطفال تكون لديهم روح المغامرة والاستكشاف، ولكني لا أحتمل أن أراهم يمشون على حواف المساند والكراسي أو يتأرجحون وهم متعلقون بالستائر فلا أتسامح معهم في شيء من هذا.

إن كلمة (لا) كثيراً ما سمعتها ابنتاي منذ ولادتهما .. لا تضعي هذا في فمك .. لا تضعي إصبعك في الكهرباء.. لا تشدي شعر القطة.. ، وكنت أفسر وأعلل لهما لماذا أقول لا،  لشيء معين، ولا أسأم من تكرار ذلك.

وكنت أتأكد من أن طفلتيَّ تنظران إلي حين أقولها، فكنت أهز رأسي يمنة ويسرة للتأكيد على رفض هذا الشيء، وإذا صرخت أي منهما أو أساءت أدبها أطلب منها أن تذهب إلى غرفة أخرى حتى يذهب غضبها .. ولكنني ـ على أي حال ـ لا أطلب من أي منهما أن تذهب إلى فراشها للنوم عقوبة لها على عصيانها لي،  فإنني في الأصل أجد معهما صعوبة كل ليلة لأخذهما إلى الفراش كي يناما، فما بالك إذا ارتبط النوم في ذهن الطفل بالعقوبة؟ 

كما أنني لا أجد القسوة عليهما أو المجافاة لهما حلاً لاستفزازهما المستمر لي، فالقسوة قد تكون سبباً في أن يستمر الطفل في عناده وأن يتمادى فيه، والمعاملة بجفاء قد تجعل الطفل يصر على أن يكون مستفزاً بصورة أكبر.

 وإذا أردت أن تعرفي الحل الأكيد فهو يتلخص نظرياً في هذه الكلمات: "لا بد أن تصري أنت وزوجك على أن يسلك الطفل السلوك السليم أولاً بطريقة ودودة وحازمة.. وتخيلا أن الابن حصان صغير نعلمه السباق، ومن ثم يجب أن يكون زمامه في أيدينا دون توتر حتى لا نصبح في حالة من الضيق النفسي والعصبي الدائم.

إن كلمة "الود الحازم" صعبة التطبيق كما يعلم  كثير من الآباء والأمهات، وخصوصاً لوجود تاريخ سابق من التوتر بينهما وبين الابن الذي يثير الضيق. وعندما يتفق الوالدان على سياسة "الود الحازم" مع الأبناء فإنه من البداية سيحدث الصدام بينهما وبين الابن المشاكس، غير أنه إذا أصر الوالدان على تثبيت هذه السياسة كدستور دائم للعلاقة بينهما وبين هذا الابن فإنه سيعلم أنه لا فائدة في مقاومة هذه السياسة، ويصبح سعيداً بهذا الأسلوب الجديد الذي يأخذ فيه حقه من الود، وينال العقاب المناسب عندما يخطئ .

والعقاب ليس هدفاً في حد ذاته فهو لن يصلح إنساناً سيئ السلوك أهمل والداه تربيته مدة طويلة، ولن يضمن استمرار التصرف باتزان إذا كان الوالدان لا يقدمان القدوة الصالحة.

قد يفشل الوالدان المرة تلو الأخرى في حمل ابنهما على السلوك المؤدب ، فمهمة تأديب الطفل مهمة شاقة، ولكن عليهما أن يتذكرا أن طفلهما لن يتأدب عن طريق الأذى المستمر بل عن طريق القدوة الحسنة.

فإذا رفعنا أصواتنا وصرخنا فسوف يفعل الطفل ذلك، وإذا استبحنا لأنفسنا الضرب حين نغضب سيقوم بذلك أيضاً، وفي المقابل فإننا إذا أنصتنا إليه وأشعرناه أننا نقدر مشاعره فلعله يقتدي، وإذا تذكرنا دائماً أن نقول له بعض الكلمات مثل: "من فضلك" و"شكرا"ً فسوف يعتاد ذلك. 

إن الطفل في سلوكه مرآة لأسرته، لذا فأفضل وسيلة لتحسين أخلاقه هو أن نحسن أخلاقنا، وصدق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حينما قال للمرأة التي تنادي ابنها وتقول له تعال أعطك:  "...أما إنك لو لم تعطه شيئاً كتبت عليك كذبة" (رواه أبو داود).

     أجل كيف نخدع أطفالنا ثم نغضب إذا رأيناهم يخدعون الآخرين؟!

     إنه حقاً جهاد عظيم.. ولكنه يؤتي ثماره ولا شك.



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...