2
سوء الظن بين الزوجين (1ـ2) لها أون لاين - موقع المرأة العربية

سوء الظن بين الزوجين (1ـ2)

عالم الأسرة » هي وهو
19 - ربيع الآخر - 1435 هـ| 19 - فبراير - 2014


تقوم الحياة الزوجية على المودة والرحمة، والسكينة والصدق والوضوح، وحب الخير وحسن الظن، فيكون قلب الزوجين سليما، قال ابن القيم: "هو السليمُ من الآفات التي تعتري القلوب المريضة، من مرض الشبهة التي توجب اتباع الظن، ومرضِ الشهوة التي توجب اتباع ما تهوى الأنفس، فالقلبُ السليمُ الذي سَلِمَ من هذا وهذا". (كتاب الروح ص 544)  ومن ثم، فالنجاح والسعادة والسباحة في نعيم الحياة الزوجية في الدنيا موصولا بنعيم الآخرة بإذن الله.

وهذا يعني أن تكون صفحة كل من الزوج والزوجة ورؤيته ونيته للآخر حسنة جميلة، فلا يحمل الزوج في عقله وذهنه إلا صفاء النية، وسلامة المقصد والحب لزوجته، ولا تحمل الزوجة في عقلها وذهنها إلا صفاء النية وسلامة المقصد والحب والسعادة، فلا مجال للتآمر أو التنافس أو التضاد، بل التكامل والمودة والرحمة.

وليس هناك أريح لقلب الزوج والزوجة، وأسعد لنفسيهما وأنقى لضميرهما من حسن الظن، وليس هناك أمرض لقلب الزوج والزوجة وأشقى لنفسيهما وأتعب لضميرهما من سوء الظن. فتجد الزوجة في تحقيق دائم مع زوجها، واتهامات متواصلة في الليل والنهار، واستجواب عن أي شيء، تراقب تصرفاته وحركاته وأقواله؛ حتى أنها تعد عليه أنفاسه، إن تحدث مع أحد فلماذا؟ وبماذا تحدث؟ ولماذا تحدث حول هذه الموضوعات بالتحديد؟ وإن تأخر عن البيت بضع دقائق أساءت به الظن، وإن ذهب مبكرا لعمله أساءت به الظن، وإن تطيب وتعطر أساءت به الظن، وإن صمت وشرد بذهنه أساءت به الظن، وإن أخبرها بمقدار راتبه أساءت به الظن في أنه يتقاضى مرتبا أكثر بكثير مما أخبرها.

 

وتجد الزوج في تحقيق دائم، واتهامات في مشيتها في الطريق، وإذا فتحت النافذة  لتهوية الغرفة لماذا؟ وما الفائدة؟ وإذا كان الهاتف مشغولا لماذا؟ ومن المتحدث؟ وما الحوار الذي طال لساعات، وإذا وجد منها تمنعا دارت الوساوس برأسه لماذا ومنذ متى؟

وغيرها من صور سوء الظن التي صورة واحدة منها كفيلة بتدمير الحياة الزوجية، فما بالك إذا اجتمعت هذه الصور، إنها قنابل تدمر الأخضر واليابس.

لهذا نهى الإسلام عن سوء الظن، الذي يغطى صفحة القلب السليم فيعكره، ولا يرى الآخرين على جمالهم النفسي والأخلاقي فيشوهها، وحذر أتباعه من هذه الصفة فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ } (سورة الحجرات:12).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث"متفق عليه، أي رواه البخاري (5143) ومسلم (2563).

 

أثر سوء الظن على الحياة الزوجية:

  • العداوة : إن الحياة الزوجية قائمة على المحبة والألفة والتعاون والتكامل، وليس على العداوة والبغضاء، فإساءة الظن توجب كراهية المظنون به، وتقطع حبال المودة، وتمزق روابط المحبة، وتزرع البغضاء، وتحصد الشحناء، ولنتأمل أي نوع من الحياة الزوجية ستكون؟

وصل أم قطيعة، التحام أم شقاق، توحد أم تشرذم، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: " تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً، إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء"رواه مسلم (2565)، هذا بين رجل وأخيه، فما بالك بين الزوج وزوجته؟

  • التحقير والسخرية: قال الغزالي: "فمن يحكم بشر على غيره بالظن بعثه الشيطان على أن يطول فيه اللسان بالغيبة، فيهلك أو يقصر في القيام بحقوقه، أو يتوانى في إكرامه، وينظر إليه بعين الاحتقار ويرى نفسه خيرا منه، وكل ذلك من المهلكات" (إحياء علوم الدين 3/26).

فإساءة الظن مدعاة للاحتقار والسخرية، والاحتقار وانتقاص الزوج لزوجته، والزوجة لزوجها لا تؤدي إلى خير، بل كما الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم" رواه مسلم (2564).

  • التجسس: وهو مرتبط ارتباطا وثيقا بسوء الظن، فهو إما قبل وإما بعد، وسواء كان هذا أو ذاك فان الحياة الزوجية لا تستقيم، ولا تسير في حال فقدان الثقة بين الزوجين، وتجسس كل منهما على الآخر، قال الغزالي: "من ثمرات سوء الظن التجسس، فإن القلب لا يقنع بالظن، ويطلب التحقيق، فيشتغل بالتجسس وهو أيضا منهي عنه، قال الله تعالى: "ولا تجسسوا"(سورة الحجرات:12)، فالغيبة وسوء الظن والتجسس منهي عنه في آية واحدة، ومعنى التجسس أن لا يترك عباد الله تحت ستر الله، فيتوصل إلى الاطلاع وهتك الستر حتى ينكشف له ما لو كان مستورا عنه كان أسلم لقلبه ودينه"(إحياء علوم الدين 3/152) ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  "إيَّاكُم والظَّنَّ، فإنَّ الظَّنَّ أَكذَبُ الحديثِ، ولا تحسَّسوا، ولا تجسَّسوا، ولا تَناجَشوا ولا تحاسَدوا ولا تباغَضوا، ولا تدابَروا، وَكونوا عِبادَ اللَّهِ إخوانًا" متفق عليه، أي رواه البخاري (6066) ومسلم (2563) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقال صلى الله عليه وسلم: "يا معشر من أسلم بلسانه، ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في  جوف رحله" رواه الترمذي، وصححه الألباني، راجع صحيح الترمذي(2032).
  • يورث الأخلاق السيئة: الحياة الزوجية بحاجة إلى أخلاق حسنة كالكرم والصفح والتسامح والشجاعة والحياء، ولا يمكن أن يكون لها وجود في تضاد هذه الصفات التي يجمعها سوء الظن، قال ابن عباس رضي الله عنه " الجبن والبخل والحرص غرائز سوء، يجمعها كلها سوء الظن بالله عز وجل" (الآداب الشرعية والمنح المرعية لابن مفلح 1/ 47).

وقال ابن القيم: "الشح فهو خلق ذميم، يتولد من سوء الظن، وضعف النفس ويمده وعد الشيطان" (الروح 1/237).

والغيبة والنميمة من الأخلاق السيئة التي تترتب على سوء الظن، ولذا بعدما ذكر المولى سبحانه العليم الخبير آية النهي عن الظن، اتبعها بالنهي عن الغيبة، فقال تعالى: {ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه} (الحجرات: 12).

وأمر النميمة خطير جداً ، فنشر الظن بين الناس يؤدي إلى كل سوء، ولذا حذرنا الله سبحانه وتعالى منه فقال: {ولا تطع كل حلاف مهين*  هماز مشاء بنميم }(القلم: 10-11) وقال الرسول صلى الله عليه وسلم "لا يدخل الجنة نمام" رواه مسلم (105).

والغيرة في غير ريبة لها علاقة وثيقة بسوء الظن، والتخيلات الشيطانية، قال ابن القيم: "الغيرة مذمومة، منها غيرة يحمل عليها سوء الظن، فيؤذى بها المحب محبوبه، ويغري عليه قلبه بالغضب، وهذه الغيرة يكرهها الله إذا كانت في غير ريبة، ومنها غيرة تحمله على عقوبة المحبوب بأكثر مما يستحقه" (روضة المحبين ونزهة المشتاقين  1/311).

الطعن في الأنساب: إن الظنون الواهية والتخيلات الشيطانية قد تكون سببا في الطعن بالأنساب والأعراض، وهذه قاصمة الظهر في الحياة الزوجية، قال عليه الصلاة والسلام: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا" متفق عليه، رواه البخاري (67)، و مسلم (1679).

وإجمالا من أساء الظن، أساء العمل، قال الطبري ـ بسنده إلى الحسن ـ: "تلا الحسن: وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فقال: إنما عمل الناس على قدر ظنونهم بربهم; فأما المؤمن فأحسن بالله الظن، فأحسن العمل; وأما الكافر والمنافق، فأساءا الظن فأساءا العمل" (تفسير الطبري 21/456).

 

مجاهدة سوء الظن:

إن سوء الظن يحتاج إلى جهد كبير، وجهاد عظيم؛ لتتخلص منه النفس، وليحل محله إحسان الظن، فالشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، ولا يهدأ ولا يفتر ولا يتكاسل عن التفريق بين الأزواج قال صلى الله عليه وسلم: "إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول ما صنعت شيئا، قال: ثم يجيء أحدهم، فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه، ويقول: نعم أنت قال: فيلتزمه" رواه مسلم (2813).

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...