رحمة شحادة زوجة الشهيد.. ابنة الشهداء

وجوه وأعلام
27 - صفر - 1426 هـ| 07 - ابريل - 2005


1

نقف أمام نموذج أبي على الانكسار والتصدع، عصي على الهزيمة.. إنها زوجة شهيد، وقبل ذلك كانت ابنة لمعتقل غاب في ظلمات السجون الإسرائيلية عشرات السنين، بعدها قضى نحبه شهيداً مع زوجته وابنته الصغرى في قصف إسرائيلي همجي مزق أجسادهم الطاهرة.

رحمة شحادة الابنة الوسطى للشهيد صلاح شحادة وزوجة الشهيد المجاهد "محمد الجعبري".. حين زرناها كشفت لنا على بعض من محطات حياتها الدامية، تحدثت بفخر عن زوجها وأبويها، فماذا قالت؟

عادت بنا إلى ذكرياتها الجميلة والمحدودة مع زوجها المجاهد الشهيد محمد الجعبري الذي اغتالته طائرات الاحتلال، كانت قد تزوجت به بعد استشهاد والدها وأمها وأختها ـ رحمهم الله ـ بخمسة شهور.. تقول واصفةً حياتها القصيرة مع الزوج الحبيب: "الحياة مع محمد كانت نعمة أنعم الله بها عليَّ فقد عوّضني كل شيء أفتقده قبل الارتباط به، كان لي أباً حنوناً وأخاً عطوفاً وصديقاً حميماً، عوّضني جو الحياة الأسرية الذي أفتقده منذ كنت طفلة لم أتجاوز العام من عمري، حين كان أبي معتقلاً في غياهب السجون الإسرائيلية وبعد استشهاده مع أمي وأختي الصغرى رحمهم الله جميعاً".

تخونها الدموع، لكنها تعاود قائلة: "لم أشعر يوماً بالحزن في كنفه، غمرني بالحب والعطف فلم أسمح لنفسي يوماً بإغضابه ولا أظنه يوماً أغضبني أو عنفني"، تشق ملامحها الطفولية ابتسامة خفيفة ترنو بنظراتها إلى السماء علها استرجعت موقفاً.. سألتها أن تقصه علينا فقالت: "حينما كنت أغضب منه وهذا قليلٌ جداً كنت ألجأ إليه لأشكوه لنفسه فليس عندي من عائلتي أحد أشكو إليه سواه بعد أن تركوني ورحلوا إلى ربهم شهداء، حينها كنت أشعر بألم شاق يجتاح قلبه وحزن عميق لا ينفك عن مقلتيه إلا إذا طيّب خاطري واعتذر مني، وتتابع.. كنت دوماً أسامحه فهو عائلتي وكل شيء جميل في حياتي".

اليوم الموعود!

 رحمة التي طالما تمنت أن تتزوج بمجاهد كأبيها الشيخ الشهيد صلاح شحادة، لم تكن تستبعد هذا اليوم الذي سيزف لها شرف جديد وفخر يضاهي فخرها بلقب ابنة الشهيد، وهو أن تكون زوجة شهيد، لم تكن رحمة وحدها هي التي هيأت نفسها لاستقبال هذا اللقب بل كان زوجها محمد يخبرها بأن يوماً سيأتي عليها ستكون وحيدة مع أولادهما حين تتحقق أمنيته في الشهادة في سبيل الله.. تقول رحمة التي لا تتجاوز من العمر العشرين: "لقد كنت أعلم أن هذا اليوم آتٍ.. لم أحزن ولم أندم فقد كنت على علم مسبق بكل خطوة يقوم بها محمد، وكنت فخورة جداً به.. وما زلت أفخر به إلى أن ألاقيه في دار الحق"، وراحت تحتضن بكرها أحمد الذي لازمنا منذ بداية الزيارة، ثم تابعت: "لو طلب مني أحمد أن يكون مناضلاً لن أمانع أبداً فتلك كانت أمنية أبيه.. وهنا أستأذنتها أن تعود بنا إلى يوم استشهاد زوجها فقالت: "كان يوماً عادياً.. كنت أعاني من وعكة صحية خفيفة، لكن محمداً أصر يومها أن يصطحبني إلى الطبيب.. في البداية مانعت وقلت له لا تقلق سأكون بخير، لكن حرصه على سلامتي وخوفه عليَّ جعله يصر قائلاً: "لا تريدين الخروج معي وأنا من اشتقت للتنزه معك دون مرافق"، وتواصل رحمة الحديث: "بعد كلماته الرقيقة هذه لم أملك إلا الموافقة، ذهبنا للطبيب وبعدها اصطحبني إلى إحدى المطاعم في غزة لنتناول طعام العشاء، كانت تلك آخر مرة تذوقت فيها طعماً لكل شيء في الحياة.. محمد كان طيلة الجلسة يحدثني عن ذكرياتنا الجميلة وأولادنا.. يومها أوصاني أن أربيهم تربية إسلامية، وراح يحدثني عن الشهادة وحلمه بها ومنزلة الشهداء عند الله، وكنت أوافقه في كل ما يقول.. يومها دعا الله وألح في الدعاء إليه أن يتوفاه شهيداً وكان له ما تمنى". 

الوداع الأخير!

بعد لحظات من الصمت والبكاء.. عاودنا الحديث إلى رحمة التي تابعت حديثها عن النصف الثاني والأخير من يوم استشهاد زوجها محمد الجعبري الذي لم يتجاوز عمره وقتها الثانية والعشرين، فراحت بعيون ذابلة أرهقتها دموع الذكريات الأليمة، تقول: "بعد أن تناولنا طعام العشاء في المطعم عدنا إلى المنزل وأخبرتني أمه أننا مدعوون لحضور حفل زفاف أحد أقارب محمد، كنت ما أزال مرهقة ليس فقط من الألم الجسدي ولكن كنت قلقة أكثر بشأن محمد وحديثه عن الشهادة، كانت خفقات قلبي تزيد أضعافاً مضاعفة حين أستحضر كلماته ودعاءه بالشهادة.. في البداية امتنعت عن الذهاب للفرح ولكن محمد أشار عليَّ أن أذهب لأغير جواً، فذهبت مع حماتي، لكني ما زلت قلقة متعبة من التفكير فأشرت إلى حماتي بالعودة إلى البيت.. اتصلت بمحمد لينقلنا بالسيارة إلى البيت فأتى.. كان طوال الطريق يمازحنا ويبتسم بل كانت ضحكته تعلو في بعض الأحيان، وتتابع: "حين وصلنا إلى البيت خلدت أنا للنوم وبقي محمد إلى جانب والده يحادثه؛ بل يودعه ويودعنا جميعاً هذا ما علمته بعد استشهاده يومها.. محمد طلب إليَّ أن أنظر إليه ملياً فاستغربت ورحت أسأله ممازحة هل ستسافر؟.. ضحك وأمسك بيدي قائلاً انظري إليَّ، نظرت إليه طويلاً لم أنس تلك النظرة التي تومئ بالرحيل"، تصمت ومجدداً تخونها الدموع ثم تتابع: "كانت النظرة الأخيرة التي كحلت بها عيني من محياه" وتستطرد قائلة: "حينها قلت له ستتأخر عن موعد التدريب فقد كان معتاداً في كل ليلة أن يذهب إلى تدريب العسكريين على حمل السلاح ويبث في أنفسهم حب المقاومة والجهاد في سبيل الله والوطن، وقبل أن يرحل قبل جبيني قائلاً ألقاك صباحاً، دعوت له بالتوفيق والسلامة كعادتي دائماً ولكن كانت الطائرات متربصة به فما أن خرج من المنزل، وبعد دقائق معدودة لا تتجاوز العشر، سمعنا دوي انفجار أحال ظلمة الليل إلى نهار، وسكونه إلى ضجيج.. شيء ما قال لي إن الانفجار أصاب محمد، فرحت أصرخ أناديه علّه يعود ولكن لم يعد.. رحل شهيداً كما تمنى.. فخرت به في حياته لحبه للجهاد والمقاومة وزاد فخري به حين لقي ربه شهيداً، قالت ذلك ثم راحت تتمتم داعية له بالرحمة والمغفرة من الله جل وعلا...

للشهيد ما تمنى

قبل أن تكون رحمة زوجة الشهيد محمد الجعبري كانت بنت الشهيد صلاح شحادة وفي يوم استشهاد والدها أيضاً استشهدت والدتها وأختها الصغيرة، ولم تكن رحمة تتوقع أن تفقد أغلى الناس على قلبها في يوم واحد، بل في لحظة واحدة تقول: "حين علمت بالنبأ لم أصدق بكيت كثيراً حتى فقدت وعيي من قسوة الفاجعة، فلم يكن أبي الذي اعتدت على فراقه منذ كان سجيناً وبعدها مطارداً، البلاء كان أعظم وأشد وطأة حين علمت أن أمي وشقيقتي إيمان كذلك قضيتا مع أبي الذي كان متوقعاً أن ينتهي به الحال إلى الاستشهاد، حيث إنه كان يرهب حصون العدو ويزلزل أركانه الخائبة بالعمليات الاستشهادية التي يخطط لها وينفذها شباب حركة المقاومة الإسلامية حماس.

وراحت تصف لنا قسوة الفاجعة قالت: "إن شقيقتها إيمان ذهبت إلى والدها في بيته في حي الدرج.. إيمان اشتاقت لوالدي فذهبت إلى لقائه مكثت عنده يومين وفي اليوم الثالث أرسل أبي في طلب أمي ليطمئن على أحوالنا وأمورنا.. أمي كانت مترددة في الذهاب ولكن شاء الله أن تذهب إليه ودعتنا قائلة إنها ستأتي بشقيقتنا إيمان ووعدت بعدم التأخير كانت تلك المرة الأخيرة التي رأيناها فيها"، وتتابع رحمة بعد أن أخرجت تنهيدة حزن عميقة: "في حوالي الساعة التاسعة مساءً من ذلك اليوم اتصلت على بيت أبي لأكلم إيمان فقد اشتقت إليها كثيراً فهي تصغرني بعامين أو أقل من ذلك.. حينها أردت أن أخبرها أننا سنخرج في رحلة مع مسجد الحي وعليها أن تأتي لنستيقظ معاً في الصباح ونذهب دون تأخير.. مازحتني قائلة: "غمضي عينك وفتحيها حتلاقيني قدامك" فرحت أضحك وهي تزيد في ضحكاتها البريئة، تصمت قليلاً وتزرف دمعة حبٍ ووفاء لذكرى شقيقتها ثم تتابع: " لأن الوقت كان متأخراً أخبرتني أمي أنها ستأتي بها في الصباح الباكر رجوتها أن تأتي لكنها وعدتني ألا تتأخر عن الموعد.. في الصباح تركت الهاتف ورحت أخلد للنوم مع شقيقتي الكبرى مريم لكني لم أستطع.. كنت أشعر بأن مكروهاً سيقع وفي تمام الساعة الثانية عشرة من منتصف الليل كان الموعد مع القدر المحتوم.. طائرات الأباتشي كانت تحلق في المكان وما هي إلا لحظات حتى سمعت دوي انفجار هائل خلته قصفاً عابراً كالذي اعتدنا عليه في كل ليلة ولكن لم يكن كذلك".

وتواصل الحديث: "بعد القصف بدقائق قليلة جاء صديق لأبي لينقل لنا الخبر.. كانت مريم قد سبقتني إليه وعلمت منه أن أبي قد استشهد وقد تكون إيمان وأمي استشهدتا معه، لم يكن الخبر مؤكداً سألته مراراً ما الذي حدث لكنه لم يجبني وبعدها أتي ابن عمي مصعب وكان وجهه غارقاً في الدموع كحال أختي مريم سألته لكنه لم يجبني قال إنه سينقلنا إلى بيت عمي خوفاً علينا وإلى هذه اللحظة لم أعلم أن أبي وأمي وشقيقتي هم المستهدفون في القصف.. أعدت السؤال على مريم التي كانت تجهش بالبكاء، نظرت إليَّ ثم جذبتني إلى حضنها وقالت النبأ.. رفاق أبي راحوا يخففون هول الصدمة علينا فقالوا إن خبر الاستشهاد ليس أكيداً أقلونا إلى مستشفي دار الشفاء وهناك كانت الفاجعة.. أبي قد رحل، وأبت أمي وشقيقتي إيمان إلا أن يشاركاه الرحيل.

فخر واعتزاز

لم تندم رحمة على فقد عائلتها بل إنها فخرت واعتزت حين لقبت بابنة الشهيد وزاد فخرها حين ارتبطت بمجاهد أكمل مسيرة النضال التي بدأها والدها، ثم رحل أيضاً شهيداً.. لقد زادها هذا اللقب فخراً وعزاً وأملاً..

رحمة تلك الأم الصغيرة الكبيرة ما زلت تحلم أن تربي أطفالها تربية إسلامية، لتحقق حلم أبيهم محمد في أن يكونوا مناضلين، يسيروا على درب الجهاد والمقاومة ويكملوا المشوار الذي بدأه جدهم وسار على خطاه أبوهم، وأخيراً يبقى في خلدي سؤال: هل ستقبل رحمة الزواج من آخر ليعينها على تربية الأولاد.. لم تتردد في الإجابة وقالت متهجمة كيف لي أن أتزوج من آخر وقلبي يملكه محمد كيف أنساه وأنا أراه في أطفاله، وتابعت: لقد اخترت الطريق الذي سلكته أمي سأعكف على تربية أولادي كما أراد أبوهم.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- هناء -

09 - ربيع الآخر - 1426 هـ| 18 - مايو - 2005




الله يقويكي بالصبر والايمان

الشهداء احياء عند ربهم يرزقون........ونيالك عند الله.....

-- ام حذيفة - الأردن

09 - جماد أول - 1426 هـ| 16 - يونيو - 2005




أعانك الله على تربية ابنائك والسير على خطى والدك وزوجك ونتمنى ان نسيرمعا للتحرير وان نكون شهداء في سبيل الله

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...