المراهقة بين الاعتراف بها والغلو فيها لها أون لاين - موقع المرأة العربية

المراهقة بين الاعتراف بها والغلو فيها

عالم الأسرة » همسات
07 - جماد أول - 1438 هـ| 04 - فبراير - 2017


1

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه: "اغتَنِمْ خمسا قبل خمْسٍ، شبابكَ قبل هِرمكَ، وصِحّتكَ قبل سقمكَ، وغِناكَ قبل فقركَ، وفراغكَ قبل شُغلكَ، وحياتكَ قبل موتكَ" (رواه الحاكم في المستدرك رقم ( 7846 ) وصححه ورواه غيره، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (1077).

المراهقة من الأصل اللغوي لها: الراء، والهاء، والقاف تدل: على السفه والحمق، والجهل كما تدل على ركوب الشر والظلم، وغشيان المآثم.

 ومن معانيها: العجلة، والكذب، والدنو واللحوق، وإذا توسعنا قليلا فإننا نتوصل إلى الإرهاق وهو أن تُحَمِّلَ شخصا حملا لا يطيقه، وأما اختلاف الصيغة راهَقَ الغلامُ مراهقة؛ فتفيد: قارب الحُلًمَ، ويتعدى فتقول: راهق الغلامُ الحُلُمَ.

وعلى هذا فالمراهقة: الفترة الزمنية من بلوغ الحلم إلى سن الرشد. (راجع المعجم الوسيط مادة رهق ص 378) ثم راجع مقالي الذي نشر في الموقع (كيف نحقق السعادة للمراهقين والمراهقات في 25 من رجب 1431هـالموافق 6\ يوليو 2010م

لاشك بأن المراهقة – وهي الفترة الزمنية التي يمر بها الإنسان وتكون صعبة، وتحتاج إلى عناية خاصة وتربية مكثفة، كما تحتاج من المربين أن يملؤوا فراغ المراهق ببرامج مفيدة ومتوازنة تشبع مع حاجات الإنسان، ومراحل حياته وخصائص نموه في تلك المرحلة العمرية.

 كما يجب العناية بنوعية غذاء المراهق وطريقة تقديمها له، والتي تبعده عن التوتر والتهيج، كما ينبغي إعطاؤه سلالا عاطفية وفكرية وعقلية، تجعل حياته مليئة بكل مفيد، وتغذي رغباته إنسانا له جسد وروح، وتبين له أنه بشرلم يخلق عبثا، وأن له وظيفة في حياته، فعليه أن يقوم بها على أحسن وجه.

 ثم ندله على طرائق الخير، ونبعده عن الشر ليكون عبدا صالحا غير محروم من الاستمتاع بحياته الطيبة التي أباحها الله له، ثم يمارس هواياته كالسباحة، والرياضة، وركوب الخيل، والكتابة الأدبية في الشعر والقصة والمقالة والحوار.....إلخ .

 وكما ذكرت في مقالات سابقة بأن التربية منبثقة من الثقافة، وعلى هذا: فالشباب المسلم والشابات المسلمات يجب أن تكون تربيتهم خاضعة لثقافتهم الإسلامية، ومن هنا فإننا نستبعد أية فكرة تقول: إن المراهق يجب أن يمر بمرحلة الطيش والعناد، والشعور بالأنا، والتمرد، وإطلاق غرائزه بلا مكابح تكبحها عما لا يجوز له أن يمارسه، أو أن المراهق غير مسؤول عن تصرفاته!! ودعوه يفعل ما يشاء ولا تحاسبوه!!! يجب أن يعيش حياته كما يريد، ولو اختارها حياة بهيمية!! فهو فينظر بعض الناس المتأثرين بثقافات غريبة عن مخلوق من الصعب قياده، ولا يستطيع أحد أن يحول بينه وبين ما يشتهي،  ولو كان المشتهى حراما أو ضارا أو لا فائدة منه!

نحن في تربيتنا وثقافتنا الإسلامية نعترف بخصوصية المرحلة، كما نعترف بأن هذا الكائن في فترة الحلم وما بعدها إلى أن يقترب من سن الرشد، وهو سن الأربعين كما يقولون-  هو مخلوق مكلف ومسؤول عن عمله وتصرفاته، ومحاسب على ما يقترف إن خيرا فخير، وإن شرا فشر؛ ولذلك يمكن أن يربى تربية طيبة كشجرة طيبة وفاكهة حلوة مذاقها لذيذ ومنظرها جميل، ونوضح له بأن دينه يعترف له بكل ما يتمنى من متع الحياة، شريطة ألا تكون حراما، والأصل في الأمور الإباحة، لكن عليه أن يراقب الله فيما يعمل ويدع؛ ليحقق عبوديته للحق تبارك و تعالى.

ولقد أثمرت تربيتنا مع هؤلاء الشباب، وأخرجت لنا منهم نماذج مايزال التاريخ يذكرها والذي لم يستجب لهذه التربية نحسبه آبقا عليها متمردا على نفحاتها؛ وبالتالي سيواجه مصيره كغيره من أبناء جنسه مهما كان عمره؛ فالمهم أنهم تجاوزا مرحلة الطفولة وهي ما قبل البلوغ.

إن أولئك الذين صوروا المراهق بأنه حيوان شارد، وأنه لاحرج عليه أن يمارس ما شاء من السلوكيات الجائحة الجانحة بذريعة أنه مراهق طائش غير مسؤول، و،و، و، و فهم غلاة في الجهل بكينونة الإنسان وطبيعته التي قال الله عنها: "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا"سورة الشمس7ـ9، فنحن ـ المسلمين – نعترف بأن مرحلة البلوغ مرحلة حرجة وصعبة ولكن بالتربية الحسنة والحكمة نستطيع أن نوجهها الوجهة التي يرضى الله عنها، ورسوله والمؤمنون.

وهذا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصرح بأن مرحلة الشباب هي مرحلة هامة ولاسيما فيما يتعلق بالنزعة الجنسية المتوهجة في أجسادهم، فوضع لهم علاجا:

عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه-  وكما جاء في الصحيحين -  قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يامعشرالشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع، فعليه بالصوم فإنه له وجاء".

والمنهج الإسلامي اهتم بالشباب، واعترف بما يعانونه من تغيرات جسمية وعقلية وعاطفية، وروحية، فوضع لهم العلاج، وشرع لهم من التوجيهات ما يجعلهم في وقاية تحميهم من الانحراف، كما حذرهم من سلوكيات شيطانية، تجرهم إلى نهايات تتحطم على صخورها أحلامهم الخيرة، وآمالهم الطيبة؛ لذلك قدم لنا نماذج من هؤلاء الشباب كانوا عظماء في حياتهم حينما نهجوا منهج الوسطية الإسلامية ومنهم على سبيل المثال: عبد الرحمن الناصر أعظم حاكم في الأندلس ولم يتجاوز العشرين، ثم محمد الفاتح فاتح القسطنطينية وعمره ثلاثة وعشرون عاما، ومن قبلهما: أسامة بن زيد ـ رضي الله عنه ـ من كبار القادة في عصر الصحابة، ومحمد القاسم فاتح السند، ولم يتجاوز السابعة عشرة من حياته، ومعاذ بن عمرو بن الجموح 13 سنة، ومعوذ بن عفراء 14سنة شاركا في بدر، وقتلا أبا جهل، وغيرهم كثر. 

أتمنى حذف مصطلح المراهقة ـ كما يقول أحدهم- واستبداله بآخر، وليكن سن التكليف والمسؤولية أو غيره؛ لنزرع الثقة والعزة في نفوس أبنائنا.

ونذكرهم بأنه إذا بلغ أحدهم الحلم، فقد جرى عليه القلم، ويسأل عن أفعاله أمام الله تعالى، ولا مناص لنا من بناء أجيال بقوة الإيمان حتى تنهض أمتنا، وتستقيم على دين الله تعالى.     

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


مالك فيصل الدندشي

إجازة في الآداب – قسم اللغة العربية / جامعة دمشق
دبلوم عال في الشريعة الإسلامية / معهد الدراسات الإسلامية في القاهرة

مالك فيصل الدندشي من سوريا - محافظة حمص والمولود في العام/ 1949م.
تلقيت تعليمي الابتدائي والمتوسط والثانوي في بلدتي ( تلكلخ ) ثم التحقت بالجامعة في مدينة دمشق, وحصلت على الإجازة ( بكالوريوس ) في الآداب – قسم اللغة العربية وتخرجت في العام 1974م.
عملت في التعليم العام في سوريا ثم في المعاهد العلمية التابعة إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مدة إحدى وعشرين سنة وخلال هذه المدة سافرت إلى القاهرة وحصلت على دبلوم عال في الشريعة الإسلامية.
أعمل الآن مدرساً منذ تسع سنوات في مدارس الفرسان الأهلية وخلال إقامتي في الرياض حصلت على عشرات الدورات والورش والمشاغل في مواضيع مختلفة في التربية والتعليم.
كتبت العديد من المؤلفات والأبحاث والمقالات في موضوعات شتى.


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...