التطريز الفلاحي الفلسطيني .. أيدي النساء تحميه من الضياع فيحميها من الفقر!!

بوابة زينة وجمال » ديكور » مهارات
17 - صفر - 1432 هـ| 23 - يناير - 2011


1

خيوط حريرية تتراوح ألوانها بين الأحمر والأخضر والأزرق والأصفر وألوان الهافان بدرجاتها المختلفة، وإبرة من نوع خاص تنساب في فتحات صغيرة بشكل المربع على قطعة قماش، فتُشكل لوحات تشكيلة من حدائق غناء بالأزهار والعروق والأشكال الهندسية الرائعة، تلك مقومات فن التطريز اليدوي الذي احترفته المرأة الفلسطينية في إطار الهواية، ورغبتها في أن تمنح بيتها رونقاً خاصاً بما تشغله من قطع وأدوات غاية في الجمال والروعة كتطريز لوحات تمثل حياة الريف البسيطة، أو إنجاز ساعة على شكل زهرة أو صنع مفارش ووسائد لتجميل فراش منزلها المتواضع.

ولأن فن التطريز من الفنون الشعبية الفلسطينية التي تم تناقلها عبر الأجيال منذ 4500 سنة قبل الميلاد، حيث ورثته الأمهات الفلسطينيات لبناتهن جيلاً بعد جيل، كان اهتمام المرأة الفلسطينية به كبيراً فحرصت على حفظه وتجديده، لكن ذلك الاهتمام قابله انتهاك من قبل الاحتلال الذي أراد سرقة التراث وثنيّ المرأة الفلسطينية عن إحيائه، بمنع إدخال المواد الخام، ومنع تسويق منتجاتها عبر معارض التراث الدولية؛ باحتجاز المشغولات في المعابر.

 غير أن المرأة الفلسطينية ظلت مصرة على إحياء وتجديد التراث خاصة في ظل الظروف المعيشية التي طرأت عليها كغلاء المعيشة، بالإضافة إلى عجز الزوج عن العمل لندرة الفرص أو غيابه شهيداً أو أسيراً فعمدت إلى مواصلة احتراف التطريز كمهنة تدر عليها دخلاً يمكنها من توفير احتياجات أسرتها الضرورية، كما عمدت أيضاً إلى طلب المساعدة من مؤسسات حفظ التراث والجمعيات المهتمة بالمرأة بتسويق إنتاجها فكان لها ما أرادت.

"لها أون لاين" في التقرير التالي يرصد أهمية التطريز الفلسطيني كوسيلة للحفاظ على الموروث التاريخي والحضاري للفلسطينيين، ويتطرق إلى التي جعلت الكثير من النساء تحترفنه لتوفير دخل يساعدهن في مواجهة الأوضاع المعيشية الصعبة التي طرأت علي حياتهن ويبرز دور المؤسسات في رعاية وحفظ  التراث، تابع معنا.

أم يوسف السيد ـ امرأة في بداية الخمسينيات من عمرهاـ تعيش في  جنوب قطاع غزة، عملت منذ عشرين عاماً بالخياطة والتفصيل والتطريز اليدوي الذي ورثته عن أمها التي شرحت لها أساسيات فن التطريز ونقلاته المختلفة بأشكالها الهندسية الرائعة والدقيقة في الوقت نفسه، الأسباب التي دعتها إلى امتهان التطريز لا تعدو وفاة زوجها وحاجتها لأن تلبي احتياجات أبنائها في البداية، ناهيك عن حبها للتطريز كفن وتراث، تقول السيدة: "كان لا بد من المواجهة والتفكير في مخرج للأزمة المالية التي تعرضت لها بعد وفاة زوجي، حيث لم يترك لي وظيفة أو إرثاً".

 لافتة إلى أنها وجدت في امتهان التطريز اليدوي الذي ورثته عن أمها مخرجاً مناسباً، فهو لن يتطلب منها الخروج من المنزل كما أنه لا يحتاج إلى شهادة علمية، ناهيك عن كونها تمتلك شيئاً من الخبرة فيه، وعقبت أم يوسف أن الخبرة التي كسبتها عن والدتها منحتها زبائن كثر مما شجعها على الارتقاء وزيادة التشكيل في القطع التي تنتجها، تقول السيدة :"إنها في البداية كانت تقتصر في إنتاجها على المفارش والوسائد والأثواب التقليدية، والسبب أن جمهور زبائنها من ربات المنازل المهتمات باقتناء شيء من التراث الفلسطيني ضمن ديكورات منازلهن".

ومع مرور الأيام توسع جمهور زبائنها فيما بعد؛ ليشمل الطالبات الجامعيات من صديقات بناتها جعلها تعمد إلى إبداع مطرزات أخرى فأضحت تضيف التطريز على الجلابيّات الفلسطينية، وتقوم بعمل حقائب وحافظات للجوال ومحافظ أيضاً مرصعة بأشكال هندسية في غاية الدقة والجمال تبدعها بالإبرة وخيط الحرير.

 وتتابع أم يوسف قائلة:"أردت من خلال عملي أن أرتقي بأسرتي والحمد لله؛ فقد تمكنت من تعليم أبنائي حتى المراحل الجامعية وأضحت بناتي تساعدنني في العمل، وكذلك في التسويق".

 وأشارت إلى أنها في البداية كانت تتقاضى أجوراً زهيدة على أعمالها، لكنها بعد ارتفاع تكلفة إنتاج القطع المطرزة وفقاً لغلاء المواد الخام والجهد الذي تبذله لإخراج قطعة تتحدث بروعة تصاميمها عن أدائها المتميز رفعت قيمة الأجر.

 مؤكدة أن ذلك لم يؤثر أبداً على حركة الزبائن لديها، وأن احترافها لمهنة التطريز اليدوي كان لها بمثابة الأمل الذي منحها الفرج بعد الشدة.

توفير دخل وحفظ وتصدير التراث

في الضفة الغربية أيضاً، ونظرا سوء الأوضاع المعيشية وحالة الغلاء التي طالت كافة تفاصيل الحياة، دفعت الكثيرات من الفلسطينيات إلى اللجوء إلى مهنة التطريز؛ لتوفير دخل مساعد لدخل الأسرة الرئيس، حيث تحصل المرأة على 300 دولار كأجرة عن تطريز ثوب فلاحي واحد.

أم محمد عاصي 49 عاماً، من بلدة البيرة بالضفة الغربية تؤكد أن عملها في مهنة التطريز التقليدية على مدار سنوات طويلة مكنتها من توفير دخل لعائلتها، ومنحتها فرصة في الحفاظ على التراث الفلسطيني من الانقراض والطمس، وذلك من خلال قيامها بتعليم الفتيات والنساء في إحدى الجمعيات التي تهتم بالمرأة الفلسطينية والحفاظ على التراث الفلسطيني، و كافة فنون التطريز الفلاحي، سواء على الأثواب أو الأدوات المنزلية أو إكسسوارات المرأة كالشال والحقيبة وحافظة النقود ولا سيما الأحذية، تقول: "إن الجمعية تعمد إلى تسويق المطرزات التي تعكف على إنتاجها ومجموعة النساء والفتيات من خلال معارض التراث التي تقيمها أحياناً، أو منحها كهدايا للوفود الأجنبية التي تزورها".

 وأضافت أن ذلك السلوك جعل المطرزات الفلسطينية تحظى بشهرة واسعة مؤكدة أن كثيرا من الوفود والشركات الأجنبية الداعمة للجمعية تطلب تطريز شعاراتها وفق الطريقة الفلسطينية، وهذا على حد تعبيرها: "يساهم في حفظ وتصدير التراث الفلسطيني إلى الخارج، ويدحض افتراءات الاحتلال أن التطريز يهودي الهوية، وأنهم من ابتدعوه" وتشير السيدة إلى أن انتشار مهنة التطريز بين النساء الفلسطينيات، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة ناتج عن ارتفاع نسبة البطالة بين الرجال نتيجة الأوضاع السياسية في الأراضي الفلسطينية، لافتة إلى أن المرأة قديماً كانت تعمد إلى التطريز لشغل وقت فراغها الكبير في المنزل دون الخروج للعمل أو للأماكن الترفيهية.

مشروع تطريزي خاص لمواجهة مخططات الإحتلال

ولا تختلف عنها أم أحمد سعيد 45 عاماً من مدينة غزة، فاهتمامها بالتراث الفلسطيني وحرصها على حفظه من الضياع ومواجهة مخططات الاحتلال في طمسه ونسبه إليهم كتراث يهودي؛ جعلها تعمد إلى تنظيم مشروع خاص بها؛ لمواجهة مخططات الاحتلال، وتفاصيل المشروع وفق قولها: "التعاقد مع فتيات وسيدات فلسطينيات وتكليفهنّ بتطريز العديد من الأدوات والملابس النسائية، كالأثواب والشالات، ومحافظ شخصية، وصناديق هدايا، ولوحات فنية كخارطة فلسطين، مقابل أجور وذلك من أجل المشاركة بإنتاجهم في معارض محلية ودولية تؤكد على أن التطريز تراث فلسطيني".

وأوضحت أم أحمد أن آخر مشاركاتها كانت في معرض الصناعات الفلسطينية 2010م الذي نظم في مدينة البيرة، وشاركت فيه أكثر من 113 شركة فلسطينية من مختلف الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأشارت أم أحمد أن مشروعها يحقق هدفين مهمين، أحدهما توفير دخل للنساء العاملات لديها يساعدهن على تحقيق الاستقرار المالي، حيث تقوم بتزويدهن بكافة مستلزمات العمل من مواد خام وأقمشة وخيوط مقابل دفع أجور لهن بعد تسليمها القطع المطلوبة، وفق مواصفات خاصة كدقة التصميم وتناسق الألوان ورقي التشطيب، كما أنه يدافع عن هوية وتراث فلسطين أمام مخططات الاحتلال.

فن يروى حكاية شعب

ومن وجهة نظر رشا أحمد طالبة بقسم التعليم الأساسي بالكلية الجامعية للعلوم التطبيقية، فإن التطريز ليس فقط هواية لشغل وقت فراغ، أو مهنة لجلب مزيد من المال لسد احتياجات مهمة وضرورية لأفراد الأسرة في ظل الوضع الاقتصادي الصعب الذي تعانيه، وهو أيضاً ليس مجرد خيوط متشابكة بألوانها الزاهية لترسم شكلاً هندسياً أو زهرة متقنة التصميم، بل هو فن يروي حكاية الشعب الفلسطيني المهجر فكل خيط ورسمة لها دلالتها على مدينة هجر، منها أهلها عنوةً تحت نير الاحتلال والتشريد في عام 48، وأضافت أنه أيضاً شاهد حيّ على تراث الأجداد، ويحمل في ثنايا خيوطه حلم الرجوع والعودة ويؤصل له كحق.

 مشيرة إلى عملها في التطريز يأخذ أشكالاً بعيدة عن التقليد وتستهدف بها الأطفال لربطهم بحقوقهم المسلوبة، فهي تارةً تنسج بخيوطها الحريرية اسمه وموطنه الأصلي على شكل شريط يضعه حول معصمه، وأحياناً تنتج حافظات للأقلام منقوش عليها خارطة الوطن، مؤكدة على أن ذلك يوعي الطفل بقيمة التراث الفلسطيني، فينشأ محافظاً عليه مهتماً بوجوده في تفاصيل حياته اليومية كنوع من الوفاء لجدوده.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- صباح جبريل المشاعلة - أمريكا

13 - محرم - 1433 هـ| 09 - ديسمبر - 2011




انا اخيطة واحب التعاون معكم

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...