أيها العبيد تحرروا!! لها أون لاين - موقع المرأة العربية

أيها العبيد تحرروا!!

عالم الأسرة » همسات
09 - ذو الحجة - 1436 هـ| 23 - سبتمبر - 2015


1

          سئمت البطالة، فعزمت على أن أطلقها، فتأبطت ملفي، أبحث عن عمل، وساق الله لي عملا مغريا، به مميزات تسيل له اللعاب، سارعت إلى العقد كي أوقعه، فتراءى لي شرط أغرب من الخيال، يلزمني بأن أحمل 5 كيلو أرز، أو كيس أرز يزن خمسة كيلوات على ظهري يوميا خلال ساعات العمل، لم أصدق هذا الشرط، فألصقت عيناي بالعقد لأتفقد صحته، فإذا هو عقد صحيح.

- من تظن نفسها هذه الشركة؟!!

هل نحن عبيد كي نوافق على شرط كهذا؟!!

          وخرجت مثلما دخلت بخفي حنين، فتوجهت قبلة شركة أضخم من سابقتها، عل الله يعوضني خيرا منها، وقد كان عرض عمل مميزاته لم أحلم به قط، ولم يطرأ لي في عالم اليقظة، فناديت أن هيا نعم إلى العقد، فإذا أول شرط فيه يأمرني أن أحمل على ظهري كيسين من الأرز يزنان عشرة كيلوات، فتراجعت خطوات إلى  الخلف، غير مصدق ما أراه، وكان العقد الثالث فإذا شرطهم به أربعة أكياس، وشركة أخرى شرطهم بالعقد أن يحمل المتعاقد عشرة أكياس أرز، يزن كل كيس ثلاثة كيلوات.

          أمسكت رأسي بكلتا راحتي؛ خوفا أن ينفجر، وتتطاير شظاياه في كل مكان، وتوجهت نحو سيارتي أجر أذيال الخيبة، والتي من ثقلها أظنها تجرني لا أجرها، وحانت مني التفاتة  إلى الأمام، فوقفت  كالمصعوق، ثم التفت يمينا فتسمرت مشدوها، ثم التفت خلفي فطفح عجبي، هل يعقل ما أراه؟!!

 ماذا أصاب الناس؟!!

الكل يحمل أكياس أرز على ظهورهم، الكل دون استثناء، صغيرهم وكبيرهم، نساؤهم ورجالهم، بل حتى بعض صغارهم يحملونها بذلة وانكسار، ماذا أصاب المدينة؟!!

هل يعقل أن حاكما ظالما قد أمرهم بذلك؟!!

 لكن كيف يطيعونه؟!!

هل يعقل أن يرجع زمن العبيد في ربيع الحرية؟!!

أم لقمة عيشهم أجبرتهم على العقود الظالمة، ولمحت شرطيا من بعيد، ففررت إلى بيتي هرباً من هذا الجحيم،
ودخلت منزلي أتنفس الصعداء، وأنا ألهث من جنون أصاب العالم، فإذا بأمي الستينية قد اعوج ظهرها  بثلاثة  أكياس من  الأرز، فرحمتها، كيف لمسنة تعاني من السكر والضغط، وخشونة في الركبة تحمل  أثقالا  كهذه، أي عديم رحمة حملها على ظهرها، فهممت بإسقاطها عن ظهرها، فإذا بوالدي قد دخل يئن من ثقل أربعة  أكياس، تتبعه أختي الصغرى التي  وجهها مضيئ كفلقة القمر، لكنه تشربته حمرة من جراء ثقل كيسي أرز على ظهرها، أدركت أن هذا العالم غير حقيقي، وحتما أنه مجرد حلم.

استيقظت من نومي، تفقدت أفراد أسرتي الذين اجتمعوا على مائدة الإفطار، تفقدت ظهورهم وهم يرمقونني باستغراب شديد، لبست  نظارتي، ثم قمت بتنظيفها جيدا، وخرجت  إلى  الشارع، وبدأت أتأمل الناس، لم تتغير الصورة كثيرا، اللهم إن الناس في حلمي كانوا يحملون الأكياس على ظهورهم، فإذا هي هذه الأكياس نفسها، قد استدارت إلى  الأمام، فأصبحوا يحملونها في كروشهم، هل وضع أكياس على الظهر هي رمز العبودية؟!

          فهل حمل أثقال في الكرش يئن منها الظهر، وتخر لها الركب، وتضعف القلب، ويتفصد منها الوجه عرقا عند أقل مجهود، أليست هذه عبودية لشهوة البطن؟!!

ولكنها عبودية ارتضيناها لأنفسنا، لم يفرضها علينا أحد، لا حاكم جائر، ولا لقمة عيش، و لا عقد عمل، وهنا أتعجب، نحن في زمن الحريات، فكيف أرضى بذل العبودية؟!!

          خلق الله هذا الجسد عزيزاً لا ينحني إلا لله، فكيف أجعله ينحني من ثقل طعام شهي، فتنتني فلم أصمد أمامه، قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : "ما ملأ ابن آدم وعاءً  شرا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فاعلا  فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه"(رواه الترمذي وابن ماجه، وغيرهما وصححه الألباني).

         فكيف أطيع ربي ورسولي في الصلاة و الصيام، و لا أطيعهما في طريقة أكلي.

 أيها العبيد تحرروا من هذه الأثقال. وألقوا  بهذه  الأكياس فإني عزمت على التحرر منها، فمن يرغب  في التحرر مثلي، ومن يذق طعم الحرية فحتما لن يرجع للعبودية أبدا.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...